بسام السلمان
أحبّ دائمًا أن أطلق الكُنى على أطفال حارتنا، فمحمد سليمان صار عندي “أبو سليمان”، وآخر أصبح “أبو ايسر”، وثالث “أبو صلاح”، وذاك “أبو كنان”، وأبو خالد وأبو محمود وغيرهم كثيرون. كنية تُمنح لطفل أجد فيها شيئا من زرع المعنى قبل أن يكبر العمر.
وأبو سليمان، طفل صغير، لكنه خشن الملامح رغم طفولته. كلما رآني في الشارع ركض نحوي، يمدّ يده الصغيرة مصافحا بثقة رجل يعرف الدنيا جيدا.
بدأت ظاهرة غريبة بين شباب في عمر الورد، لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة، يبحثون عن فرص عمل في عروض الأزياء. أعمال ناعمة قد تبدو بريئة، لكنها أحيانا تسحب الفتى بعيدا عن صلابته النفسية ودوره الطبيعي في تحمل المسؤولية، فتفتح أبوابا لمشكلات اجتماعية وثقافية نحن في غنى عنها.
خلال خدمتي العسكرية تعلمت درسا لا يُنسى، أن الجيش ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل مصنع رجال.
هناك يتعلم الشاب الانضباط، الصبر، احترام الوقت، وتحمل التعب قبل البحث عن الراحة. الرجولة لم تكن يوما صوتا مرتفعا أو مظهرا خشنا فقط، بل قدرة على الوقوف عندما يهرب الآخرون.
ولهذا جاء الحديث الشريف “علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل“. وكان المقصد بناء إنسان قوي الجسد، قادر على مواجهة الحياة. فالمجتمعات لا تقوم على الرخاوة، بل على توازن الأدوار.
والأنوثة جمال ورقة ونعومة خُلقت لتزيّن الحياة، وهي قيمة عظيمة لا تقل شأنا عن الرجولة. لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط الأدوار، فيضيع الشاب بين صورة لا تشبهه، ويتحول التقليد إلى هوية بديلة.
نحن لا نحارب الجمال، ولا نرفض الفن، ولا نقلل من أي مهنة شريفة، لكننا نخاف على جيل لم يكتشف نفسه بعد أن يُدفع نحو المظاهر قبل أن يتعلم معنى المسؤولية.
أبو سليمان الصغير لا يعرف بعد معنى الرجولة، لكنه يعرف كيف يركض بثقة، وكيف يصافح بثبات، وكيف يبتسم دون تصنّع. وربما هذا هو الدرس الأهم. وهي لا تُولد في الشوارع، بل تُصنع في البيوت والمدارس والقدوة.
فلنربِّ أبناءنا على القوة دون قسوة، وعلى الرحمة دون ضعف، وعلى أن يعرف كلٌّ منهم جمال دوره في هذه الحياة. لأن المجتمعات القوية لا تُبنى برجال يشبهون النساء، ولا بنساء يُطلب منهن أن يصبحن رجالا، بل بتوازن يحفظ للرجولة معناها، وللأنوثة مكانتها.