محمود احمد مقداد مياس
لسنا بحاجة إلى أن نتوقف عن الفرح، ولا أن نتخلى عن أعراسنا وتخرج أبنائنا ومناسباتنا الاجتماعية انما الفرح جزء من الحياة، والكرم قيمة واللقاء بين الناس من أجمل ما تحفظه المجتمعات من روابطها.
لكن ربما نحتاج، في مرحلة التطور القادمة إلى أن نسأل أنفسنا سؤالا مختلفا:
هل نستطيع أن نحتفل بطريقة تجعل الفرح إضافة إلى حياتنا لا عبئا عليها؟
خلال السنوات الأخيرة ظهرت أنماط جديدة من الاحتفال والمناسبات؛ حفلات التخرج من مراحل التعليم المختلفة، وحفلات الزواج والحناء، وحفلات استقبال المولود وتحديد جنسه، والاحتفال بعيد الميلاد الأول إلى جانب توسع الإنفاق على المناسبات الاجتماعية عموما.
لا مشكلة في أي من هذه المناسبات بذاتها وإنما تستحق الظاهرة أن نتأملها من زاوية أخرى:
متى يتحول الاحتفال من تعبير عن الفرح إلى منافسة في الإنفاق؟ ومتى يصبح ما يفعله الآخرون معيارا لما ينبغي علينا أن نفعله نحن؟ ومتى يتحول الأمر من اختيار شخصي إلى ضغط اجتماعي يجعل الأسرة تنفق أكثر مما تستطيع حتى لا تبدو أقل من غيرها؟
هذه ليست أسئلة لإدانة أحد وإنما لفهم سلوك اجتماعي يتغير أمام أعيننا.
ولعل الأجمل أن ننتقل تدريجيًا من التنافس في حجم المناسبة إلى التنافس في قيمة المناسبة.
يمكن أن يكون التخرج مناسبة للفرح وفي الوقت نفسه مناسبة للاحتفاء بالعلم والاجتهاد.
ويمكن أن يكون الزواج مناسبة للكرم، دون أن يصبح حجم الإنفاق معيارا لقيمة الأسرة.
ويمكن أن نستقبل مولودا بالفرح والدعاء، دون أن تتحول الفرحة إلى التزام مالي جديد.
ويمكن أن نجتمع في المقاهي والكافيهات للترفيه وفي الوقت نفسه يمكن أن تتحول بعض هذه المساحات إلى أماكن للحوار، وتبادل المعرفة، وتأسيس المبادرات، ومناقشة أفكار العمل والإنتاج.
المسألة إذن ليست في أن نفرح أقل، وإنما في أن نجعل لفرحنا قيمة أكبر.
وهنا يأتي دور الثقافة الاجتماعية.
فالمجتمعات لا تتقدم فقط بالقوانين والمشروعات الكبرى انما تتقدم أيضا عندما تتغير معايير التقدير فيها. عندما يصبح صاحب المشروع الناجح محل تقدير، وصاحب المبادرة الاجتماعية محل تقدير والمتعلم والباحث والمبدع والعامل المنتج محل تقدير، كما نقدر صاحب المناسبة الجميلة والاحتفال الكريم.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء ثقافة الفرح، بل إلى تطويرها.
ولا نحتاج إلى محاربة الكرم، بل إلى تحرير الكرم من المنافسة والاستعراض.
ولا نحتاج إلى محاربة المناسبات، بل إلى تخليصها من فكرة أن قيمتها تقاس بما أنفق عليها.
وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية حقيقية، يصبح من المهم أن نتعلم جميعا كيف نفرق بين الاستهلاك الذي يحقق حاجة أو متعة مشروعة ومقبولة، والاستهلاك الذي تفرضه المقارنة الاجتماعية.
وهذه ليست مسؤولية فرد بعينه بل إنها مسألة ثقافة عامة.
كما أن الحديث عن أولويات المجتمع لا ينبغي أن يعفينا من الحديث عن أولويات الدولة. فالمواطن يحتاج إلى ثقافة اقتصادية واجتماعية أكثر وعيًا، والدولة تحتاج في المقابل إلى إدارة عامة أكثر كفاءة وشفافية وإلى اقتصاد يوسع فرص العمل والإنتاج وإلى سياسات تجعل الإنجاز الحقيقي أكثر جدوى من المظهر.
فالوعي الاجتماعي لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، كما أن المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي لا تعني إعفاء المجتمع من مسؤوليته عن بعض أنماط السلوك التي يستطيع تغييرها بنفسه.
والأردن الذي نريده ليس بلدا يتوقف فيه الناس عن الفرح، وإنما بلدًا يصبح فيه الفرح أكثر عقلانية، والكرم أكثر مسؤولية والاستهلاك أكثر وعيا ، والإنجاز أكثر قيمة، والنقد أكثر احتراما، والحوار أكثر حضورا.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل بهدوء من سؤال:
ماذا فعل الآخرون؟
إلى سؤال:
ما السلوك الذي نريد أن يصبح طبيعيًا ومقبولًا ومحببًا في مجتمعنا؟
فالإصلاح الاجتماعي الحقيقي لا يبدأ بإهانة الناس ولا بتصنيفهم، وإنما يبدأ بفهم السلوك، وتفسير أسبابه، وتقديم البديل الأفضل، ثم جعل هذا البديل ممكنًا وجذابًا وقابلًا للحياة.
نريد مجتمعًا يفرح، ولكن لا يرهق نفسه لإثبات أنه سعيد؛
ويكرم، ولكن لا يدخل في منافسة لإثبات أنه أكرم
ويحتفل بالنجاح، ولكن يجعل النجاح نفسه أهم من مظاهر الاحتفال به.
وربما تكون هذه إحدى صور التطور التي نحتاجها في الأردن:
أن يصبح الإنجاز مناسبةً للاحتفال، بدل أن يصبح الاحتفال هو الإنجاز.
من الاحتفال بالمظاهر إلى الاحتفاء بالإنجاز
16
المقالة السابقة