صورة تعبيرية للرمثا ومحطة الحج سنة 1812م، مستوحاة من وصف الرحالة جون لويس بوركهارت.
بقلم: أ. سلام الزعبي
في مساء الثلاثين من نيسان عام 1812م، وصل الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت إلى الرمثا، خلال رحلة بدأها من دمشق لاستكشاف حوران والمناطق الواقعة شرقي نهر الأردن. وقد دوّن مشاهداته لاحقًا في كتابه Travels in Syria and the Holy Land، الذي صدر في لندن سنة 1822م، فترك لنا وصفًا مباشرًا للمدينة قبل أكثر من قرنين.
جاء بوركهارت إلى الرمثا عبر طريق الحج الشامي، بعد مروره بالمزيريب والطرة ووادي الشلالة. ولم ينظر إليها بوصفها قرية معزولة، بل وصفها بأنها إحدى محطات الحج؛ وهو ما يكشف موقعها ضمن شبكة الطرق التي كانت تصل دمشق بالحجاز، وتستخدمها قوافل الحجاج والتجار والجنود والمسافرون.
وأشار الرحالة إلى وجود بركتين أو خزانين للمياه أُقيما في مجرى الوادي بواسطة ثلاثة جدران مرتفعة. وكانت هذه المنشآت المائية ضرورية لتزويد القوافل والماشية بالماء، ولا سيما في منطقة تعتمد على مياه الأمطار والآبار. كما شاهد جماعة كبيرة من قبيلة عنزة تسقي مواشيها عند مروره، في صورة تعكس التقاء المجتمع الزراعي المستقر بالحركة البدوية الموسمية حول موارد الماء.
ووصف بوركهارت الرمثا بأنها مبنية فوق عدة تلال، وقدّر عدد أسرها بنحو مئة أسرة، وذكر وجود عدد من آبار المياه العذبة في محيطها. ولا يجوز التعامل مع هذا الرقم بوصفه إحصاءً رسميًا؛ فهو تقدير رحالة عابر، لكنه يظل شاهدًا مهمًا على حجم التجمع السكاني في مطلع القرن التاسع عشر.
ولفت الرحالة إلى نمط معماري مميز، إذ ذكر أن عددًا من البيوت أُقيم بمحاذاة التجاويف الصخرية، بحيث تشكّل الصخرة الجدار الخلفي للمنزل، بينما تُبنى الجوانب الأخرى بالطين بصورة شبه دائرية. ويكشف هذا الوصف قدرة السكان على التكيف مع البيئة المحلية، واستثمار التكوين الصخري في بناء مساكن توفر الحماية وتقلل الحاجة إلى مواد البناء.
أما روايته عن استقباله في منزل الشيخ، فينبغي قراءتها بحذر. فقد وصف موقف بعض السكان منه بعبارات حادة، وربطه بحساسية مرور أجنبي على الطريق المؤدي إلى مكة. لكن هذا الحكم يعكس زاوية نظر رحالة أوروبي في مطلع القرن التاسع عشر، وربما لم يدرك مخاوف السكان من الغرباء في منطقة كانت تعاني اضطراب الطرق والغارات. وتذكر روايته نفسها أن التوتر تحول سريعًا إلى علاقة ودية بعد تقديمه سكينًا صغيرة هدية لأحد كبار السن، وهو ما يوضح أن اللقاء كان أكثر تعقيدًا من الوصف الأول الذي سجله.
وفي صباح الأول من أيار سنة 1812م، غادر بوركهارت الرمثا متجهًا نحو سوف وجرش. وقد وصفها بأنها تقع عند الحد الفاصل بين حوران والمنطقة التي سماها «الزويت»، الممتدة باتجاه جرش، وأشار إلى التلال الواقعة شرقيها وإلى عدد من المواقع والخرائب المحيطة بها.
تكمن أهمية شهادة بوركهارت في أنها تقدم صورة متكاملة للرمثا في لحظة تاريخية مبكرة: بلدة مأهولة، ومحطة على طريق الحج، ومركزًا للمياه، ونقطة اتصال بين حوران والمناطق الداخلية من شرقي الأردن. وهي صورة تؤكد أن موقع الرمثا الحدودي والحركي ليس ظاهرة حديثة؛ فقد أدت المدينة، قبل ظهور الحدود السياسية المعاصرة بوقت طويل، دورًا في حركة الناس والقوافل والتجارة بين بلاد الشام والحجاز.
إن قراءة الرمثا في يوميات الرحالة لا تعني قبول أحكامهم جميعًا، بل استخدام رواياتهم بوصفها مصادر تاريخية تخضع للنقد والمقارنة. وبين ما شاهده بوركهارت وما حمله من تصورات مسبقة، تبقى التفاصيل المتعلقة بالماء والعمران والسكان وطريق الحج شهادة نادرة على مدينة كانت حاضرة في طرق المنطقة وذاكرتها قبل أكثر من مئتي عام.
المصدر: جون لويس بوركهارت، Travels in Syria and the Holy Land، لندن، 1822، ص 246–248. النص الأصلي متاح عبر مشروع غوتنبرغ، والنسخة المصورة الكاملة متاحة عبر ويكيميديا كومنز.