بسام السلمان
أمارس رياضة المشي منذ فترة، وقد حاولت أن أغيّر روتيني اليومي إلى ركوب الدراجة الهوائية، ظنّا مني أن الشوارع فضاء عام يتّسع للحياة بكل أشكالها الصحية والإنسانية. لكنني اكتشفت سريعا أن العيون تسبق السيارات، وأن الاستغراب يلاحقك أكثر من الخطر نفسه، لم تكن المشكلة في الشوارع فقط، فهي أصلا غير مهيأة لرياضة المشي أو ركوب الدراجة، المشكلة الحقيقية كانت في نظرات الناس، نظرات تسأل بصمت” لماذا يفعل هذا الرجل ذلك؟” وكأن الرياضة أصبحت فعلا غريبا يحتاج إلى تبرير اجتماعي، نستهجن أن يمارس أحدنا الرياضة في مكان عام، وقد يخرج هاتف فجأة لتصوير رجل تجاوز الأربعين وهو يقود دراجة، أو سيدة قررت أن تمشي لتحافظ على صحتها، يتحول المشهد الصحي الطبيعي إلى مادة للدهشة أو السخرية، وربما للنشر على مواقع التواصل تحت عناوين خفيفة الظل ثقيلة المعنى.
وفي المقابل، نجد مشاهد أخرى تحظى بالتصفيق الجماعي، شاب يركع في وسط الشارع او في التلفريك، يقدّم خاتم خطوبة أمام المارة، احتضان، تصفيق، تصوير، وبث مباشر، تتحول اللحظة الخاصة إلى عرض عام، ويصبح الرصيف مسرحا للعواطف، لا أحد يستغرب، بل كثيرون يشجعون ويباركون.
أتذكر ما كتبته النائب السابقة زينب السعود يوما عندما تساءلت” متى كانت بناتنا تُخطب من الشوارع والساحات العامة؟ مؤكدة أن الفتاة كرمها الله وجعل للوصول إليها جسراً من الاحترام والإقرار بالمكانة والحقوق” سؤالها لم يكن اعتراضا على الحب، بل على تحوّل القيم من الخصوصية إلى الاستعراض، ومن الوقار إلى المشهدية..
لسنا ضد الفرح أو التعبير عن المشاعر، لكن الفرق كبير بين الفرح الطبيعي وبين تحويل الحياة إلى محتوى مصوَّر يبحث عن الإعجابات، المجتمع الذي يصفق لمشهد عاطفي علني، ثم يستهجن شخصا يحاول أن يعيش حياة صحية، هو مجتمع يحتاج أن يراجع بوصلته الأخلاقية والاجتماعية.