بسام السلمان
كان في الرمثا، وربما حتى ثمانينيات القرن الماضي، رجل يتولى مهمة المناداة على المفقودات. فإذا ضاع طفل، أو شرد حصان، أو خرج خروف من البيت على غفلة من صاحبه، أو حتى فُقد مبلغٌ صغير من المال، حمل صوته الجهور وطاف الحارات مناديا بما ضاع.
كان يقول بعبارات مألوفة، تختلط فيها الأمانة بالدعابة: “يا من لقى خروف لونه أبيض، وعلى رقبته علامة سودا… يصلي على النبي.” فيبدأ من الحارة التي فُقد فيها الشيء، ثم يتوسع حتى يكاد يمر على المدينة كلها، مؤمنا بأن ما ضاع لا بد أن يعود إذا سمع الناس النداء.
كان ذلك المنادي جزءا من منظومة اجتماعية عنوانها الثقة، وكانت المفقودات غالبا تعود إلى أصحابها، لأن الضمير كان حاضرا قبل القانون، ولأن الناس كانت ترى في رد الأمانة واجبا لا فضلا.
أما اليوم، فقد تغيّر المنادي، وصار له ألف وجه وألف وسيلة، فمنشورات على مواقع التواصل، ورسائل في مجموعات الوتس اب، وإعلانات تنتشر في دقائق، لكن المؤسف أن بعض من يتابعون هذه النداءات لا يبحثون عن صاحب المفقود، بل عن المفقود نفسه، يستغلون المعلومة ليصلوا إليه قبل صاحبه، فيتحول النداء من وسيلة لإعادة الحق إلى أصحابه، إلى فرصة جديدة لبعض اللصوص.
لم تتغير الوسائل فقط، بل تغيرت عند بعض الناس القيم التي كانت تحرس المجتمع، فالمنادي القديم كان صوته يوقظ الضمير، أما بعض منادي اليوم، فيوقظون أطماع من اعتادوا اقتناص الفرص.
ويبقى السؤال: هل فقدنا الأشياء فقط، أم فقدنا شيئا أكبر منها، ذلك الضمير الذي كان يعيدها إلى أصحابها؟
و اللي سرق الخروف يرجعه
المنادي… اللي سرق الخروف يرجعه
38
المقالة السابقة