الرمثا نت
كان البلاستيك يومًا شيئًا خارج الجسد: زجاجة ماء، كيس تسوق، علبة طعام، ألياف ملابس، غلاف رخيص لا ننتبه إليه إلا حين نرميه. لكن الدراسات الحديثة تقلب الصورة المريحة: البلاستيك لم يعد حولنا فقط، بل صار فينا. في الدم، والرئتين، والمشيمة، والكبد، والكلى، وحتى الدماغ.
ليست العبارة أن “أدمغتنا مصنوعة من البلاستيك” دقيقة حرفيًا، لكنها لم تعد بعيدة عن الرعب الذي تقترحه. فبحسب تقرير “الغارديان”، وجدت دراسات حديثة جسيمات بلاستيكية دقيقة ومتناهية الصغر في أنسجة بشرية حساسة، من بينها الدماغ، وبمستويات وصفها بعض الباحثين بأنها “مقلقة”. واحدة من أكثر النتائج إثارة للانتباه جاءت من عينات دماغية جُمعت في أوائل 2024، حيث بلغ متوسط البلاستيك في 24 عينة نحو 0.5% من وزن النسيج، وفق ما نقلته الصحيفة عن الدراسة.
ما يجعل الرقم صادمًا ليس وجود الجسيمات وحده، بل مكانها، الدماغ كان يُنظر إليه بوصفه محميًا بحاجز الدم-الدماغ، ذلك النظام الحيوي الذي يمنع كثيرًا من المواد الضارة من الوصول إلى أنسجته. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الجسيمات الدقيقة، وخصوصًا النانوية منها، قد تكون قادرة على عبور هذا الحاجز أو الوصول إلى الدماغ بطرق لم نفهمها بالكامل بعد. وفي دراسة منشورة في “نيتشر للطب”، أكد الباحثون وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة ونانوية في عينات من الكبد والكلى والدماغ، مع مستويات أعلى في الدماغ مقارنة بالأعضاء الأخرى، وارتفاع واضح بين عينات 2016 و2024.
البلاستيك يزداد في البيئة، وما يزداد في البيئة يجد طريقه إلى الأجساد. وتشير “ناشيونال جيوغرافيك” إلى أن إنتاج البلاستيك العالمي يتجاوز 300 مليون طن سنويًا، وأن تقديرات عام 2023 تحدثت عن نحو 2.5 مليون طن من البلاستيك العائم في المحيطات، أي أكثر من عشرة أضعاف مستويات 2005. وكلما تفتتت هذه الكميات إلى جزيئات أصغر، صارت أكثر قدرة على التسلل إلى الطعام والماء والهواء.
المشكلة أن البلاستيك الدقيق لا يدخل أجسادنا من باب واحد. نتنفسه من الغبار والهواء، ونبتلعه مع الماء والطعام، ونلامسه في العبوات والملابس والأدوات اليومية. وتعريف الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يشمل عادة القطع الأصغر من 5 مليمترات، أما النانوية فهي أصغر بكثير، وقد تكون أكثر قدرة على دخول الأنسجة والعبور بين الحواجز الحيوية.
تربط الدراسات الحيوانية والمخبرية بعض الجسيمات البلاستيكية بالالتهاب، والإجهاد التأكسدي، واضطراب الخلايا، وربما مشكلات عصبية أو قلبية، لكن قياس الأثر المباشر على البشر ما زال صعبًا. نحن نعرف الآن أن الجسيمات موجودة في أماكن لم نكن نتوقعها، لكننا لا نعرف بعد كل ما تفعله هناك.
الفكرة ليست أننا سنستيقظ غدًا بعقول “مصنوعة من البلاستيك”، بل أننا عشنا عقودًا نعامل البلاستيك كشيء يُرمى، ثم اكتشفنا أنه لا يختفي. يتكسر، يصغر، يطير، يذوب في دورة الحياة اليومية، ثم يعود إلينا في أجسادنا.
ربما تكون العبارة الأدق هي: لسنا من بلاستيك، لكن عصر البلاستيك بدأ يكتب أثره داخلنا. وإذا كان الدماغ، أكثر أعضاء الإنسان خصوصية وحساسية، لم يعد خارج هذه القصة، السؤال هنا هو: كم من البلاستيك عاد إلينا دون أن نراه؟