تتبع الطائرات المقاتلة التابعة لسلاح الجو الأمريكي نظام تسمية يبدو للوهلة الأولى منظما ومنطقيا، حيث حملت الأجيال المتتالية أسماء مثل F-14 “تومكات”، وF-15 “إيغل”، وF-16 “فايتنغ فالكون”، والتي لا تزال تخدم منذ عقود مع تطورات متعددة في أنظمتها، إلا أن هذا التسلسل يبدو أنه يواجه فجوات واضحة، إذ يتم الانتقال مباشرة من F-16 إلى F-18 ثم إلى F-22، دون ظهور نماذج رسمية باسمَي F-17 أو F-13 ضمن الخدمة الأمريكية الحديثة، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التخطّي.
في الواقع، يعود سبب غياب مقاتلة F-17 إلى تطورات المنافسة بين شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية خلال سبعينات القرن الماضي، فقد طورت شركة “نورثروب” (Northrop، والمعروفة اليوم باسم نورثروب غرومان) نموذجا أوليا حمل اسم YF-17 “كوبرا”، وحلّق لأول مرة عام 1976 بدعم تقني من وكالة ناسا، ضمن برنامج “المقاتلة الخفيفة” التابع لسلاح الجو الأمريكي، وكان الهدف من المشروع إنتاج طائرة خفيفة وعالية الأداء قادرة على المناورة بكفاءة.
ورغم الأداء الواعد للطائرة، فإن شركة “جنرال دايناميكس” تفوقت في المنافسة عبر نموذجها YF-16، الذي تم اختياره ليصبح لاحقا الطائرة F-16 “فايتنغ فالكون”، إحدى أنجح المقاتلات في تاريخ الطيران العسكري، ونتيجة لذلك، لم يتم اعتماد YF-17 لصالح سلاح الجو، لكن المشروع لم يُهدر بالكامل.
إذ رأت البحرية الأمريكية إمكانات كبيرة في تصميم YF-17، ما أدى إلى تطويره لاحقا ليصبح أساسا لطائرة F/A-18 “هورنت”، ثم النسخة المطوّرة “سوبر هورنت”.
وبذلك، لم تختفِ الفكرة الأصلية للطائرة، بل انتقلت من خدمة القوات الجوية إلى البحرية، مع تحسينات كبيرة لتناسب عمليات الإقلاع والهبوط على حاملات الطائرات. ويُظهر التشابه بين YF-17 وF/A-18 بوضوح هذا التطور التقني المباشر.
أما بالنسبة لتسمية F-13، فالقصة أكثر غموضا، تاريخيا، حملت شركة الطيران الألمانية “يونكرز” اسم F13 عام 1919، وكانت أول طائرة ركاب معدنية في العالم، إلا أن هذا التصنيف لا علاقة له بسلاح الجو الأمريكي الحديث، ووفقا لبعض التحليلات، لم تُستخدم تسمية F-13 في الولايات المتحدة إطلاقا ضمن الطائرات العسكرية الحديثة.
وتشير بعض المصادر إلى أن سبب تجاهل الرقم 13 قد يعود إلى عوامل نفسية وثقافية، أبرزها ما يُعرف بـ”رهاب الرقم 13″ (Triskaidekaphobia)، وهو اعتقاد شائع في عدد من الثقافات يعتبر الرقم 13 رمزا لسوء الحظ، ورغم عدم وجود تأكيد رسمي من القوات الجوية الأمريكية على تبني هذا السبب، إلا أن بعض المنشورات العسكرية غير الرسمية ألمحت إليه كاحتمال.
كما لا تقتصر ظاهرة تخطي الأرقام على F-13 فقط، إذ تم أيضا تجاوز الرقم F-19 خلال فترة تطوير مقاتلات لاحقة، ففي تلك الحقبة، كانت شركة “نورثروب” تعمل على تطوير طائرة جديدة خلفا لـF-5 “تايغر”، لكنها اختارت تسمية F-20 بدلا من F-19، في ظل اعتبارات تتعلق بالتسويق والتصنيف، إضافة إلى رغبة الشركات في تمييز نماذجها عن التسمية السوفييتية التي كانت تعتمد أرقاما فردية مثل MiG-19 وMiG-21.
يعكس نظام تسمية الطائرات المقاتلة الأمريكية مزيجا من الاعتبارات التقنية والعسكرية والتسويقية، وربما أيضا بعض الاعتبارات غير الرسمية المرتبطة بالتقاليد أو الخرافات، وبينما لا تعترف الجهات الدفاعية عادة بهذه التفاصيل بشكل مباشر، فإن تاريخ تطوير الطائرات المتقدمة يكشف أن قرارات التسمية ليست دائما خاضعة لمنطق صارم بقدر ما هي نتيجة تداخل عوامل متعددة معقدة.