56
كتب عمر خويله:
بعد أن ناهزت تسعين خريفاً من العطاء، قررت أمي أن تُخضعنا جميعاً لامتحانٍ. داهمها مرضٌ، سلب منها جسدها المنهك وقدرتها على الكلام، لكنه لم يسلبها عينين ترقبان الكون بصمتٍ تُسجلان درجات صبرنا، ووفائنا، ورحمتنا.
نقف حول سريرها، معلقين بين عجزنا عن سماع كلمة رضا أو عتاب، وبين رغبتنا الجارفة في تقديم المستحيل، فلا نملك إلا أن نجتهد، ونبذل ما استطعنا من حبٍ ورعاية، دون أن ندرك بعد نتيجتنا في هذا الاختبار العظيم.
الأم لم تمنحتنا الحياة فقط، بل هي وطنٌ مشيّد من الحنان والتضحية. فحين نتأمل المنهج الإلهي في بر الوالدين، ندرك كيف رفع الله مقام الأب ليقترب من قدسية الوالده، فجعل له نصيباً من هذا الشرف بصفة الوالد، أما الأم، فستبقى هي الأصل الذي انبثقت منه الحياة، والمدرسة الأولى التي صبّت في عروقنا قيم الرحمة والصبر والعطاء بلا حدود.
آهٍ يا أمي.. كم يمزق الروح أن أراكِ أسيرة الفراش، بعد أن كنتِ جبلاً من القوة لا تهزه أعتى العواصف! أستحضر طيفكِ وأنتِ تحملين همومنا قبل أن تنضج عقولنا لنحملها، تسهرين لننام، وتجوعين لنشبع، وتتعبين لنستريح. كم من أهوال الحياة واجهتِها بصدرٍ رحب وصمتٍ مهيب، وكم من أوجاعٍ كتمتِها خلف ابتسامة عذبة، فقط كي لا ينكسر خاطر اي منا.
اليوم، وأنا أمثل في محراب سريركِ المقدس، أقرأ مجلدا من التضحيات محفوراً في تجاعيد وجهكِ الاسطوري، وأرى سنوات العمر التي تآكلت شمعتها لتضيء دروبنا، فأوقن بعجزنا؛ إذ إن كل ما نقدمه لكِ لا يزن لحظة واحدة من سهركِ، أو دمعة واحدة من قلقكِ. فأنتِ لستِ مريضة نعتني بها، بل بابٌ من أبواب الجنة، وميزانٌ لصدق محبتنا، وبرّنا، وإنسانيتنا.
حفظكِ الله يا سيدة قلبي، وألبسكِ ثوب العافية والرضا. وإن كان المرض قد حظر لسانكِ عن الكلام، فإن عينيكِ ما زالتا تتدفقان بلغةٍ يفهمها قلب الأبناء قبل مسامعهم، وستبقين، النعمة التي لا تدانيها نعمة، والدعاء الملازم للمحاريب، والحب الوحيد الذي يزهر في قلبي كلما تقدمت الأيام ومضى بنا العمر