25
الرمثا نت
تقوم وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” باستخدام نظام متطور لتصريف كميات هائلة من المياه على منصة الإطلاق 39B، حيث يتم إطلاق نحو 1.7 مليون لتر من الماء خلال أقل من 30 ثانية فقط أثناء لحظة اشتعال وإقلاع صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي” (SLS)، في عملية هندسية دقيقة لا تهدف إلى إطفاء الحرائق، بل إلى حماية الصاروخ من القوة التدميرية لموجات الصوت والضغط الناتجة عن الإقلاع.
وبحسب بيانات ناسا، يعمل نظام “قمع الصوت والحماية من ضغط الإشعال” المعروف اختصاراً بـ IOP/SS، على ضخ المياه نحو منصة الإطلاق والقناة المخصصة لتصريف اللهب أثناء لحظة التشغيل، ويصل معدل التدفق في ذروته إلى نحو 1.1 مليون غالون من المياه في الدقيقة، وهو ما يعادل قدرة على تفريغ ما يقارب حمّامَي سباحة أولمبيين في دقيقة واحدة فقط.
حماية من “عدو غير مرئي”.. الصوت
توضح ناسا أن الهدف الأساسي من هذا النظام ليس مكافحة النيران الناتجة عن محركات الصاروخ، بل مواجهة تأثير الضغط الصوتي الهائل الذي يتولد لحظة الإقلاع.
ويولد الصاروخ SLS، المزود بأربعة محركات RS-25 إضافة إلى معززين صاروخيين يعملان بالوقود الصلب، قوة دفع إجمالية تُقدَّر بنحو 3.8 ملايين كيلوغرام من الدفع، هذه الطاقة الضخمة تنتج موجات صوتية عنيفة قادرة على إحداث اهتزازات رنينية خطيرة قد تؤثر على بنية الصاروخ ذاته قبل مغادرته منصة الإطلاق.
وتشير ناسا إلى أن جزءاً من هذه الموجات الصوتية يرتد نحو المركبة، ما قد يؤدي إلى أضرار في الأنظمة الإلكترونية، وتلف العوازل الحرارية، بل وتشوهات هيكلية في بعض المكونات الحساسة.
الماء كوسيلة لامتصاص الطاقة
تعتمد الفكرة الهندسية للنظام على خصائص الماء الفيزيائية، حيث يُعد من أكثر المواد كفاءة في امتصاص الطاقة الصوتية، فعند تعرض كميات المياه لحرارة وضغط مرتفعين، يتبخر جزء منها بسرعة، ما يؤدي إلى تحويل جزء كبير من طاقة الموجات الصوتية إلى حرارة، وبالتالي تقليل شدة الاهتزازات التي تصل إلى الصاروخ.
وتؤكد ناسا أن هذه التقنية لم تأتِ من التجربة النظرية فقط، بل استندت إلى دروس تاريخية، أبرزها الأضرار التي لحقت بمكوك الفضاء خلال أول إطلاق له عام 1981، نتيجة الضغط الصوتي غير المتوقع، ما دفع الوكالة إلى تطوير أنظمة متقدمة لقمع الصوت في منصات الإطلاق اللاحقة.
بنية تحتية مقاومة لحرارة تفوق 1200 درجة مئوية
قبل حتى تشغيل نظام المياه، تعتمد منصة الإطلاق 39B على بنية هندسية معقدة لإدارة حرارة وعنف الإقلاع.
فقد خضعت قناة اللهب التابعة للمنصة لعملية إعادة تأهيل شاملة ضمن برنامج “أرتميس”، حيث يبلغ طولها 137 متراً، وتم تبطينها بأكثر من 93 ألف طوبة مقاومة للحرارة موزعة على ثلاثة أحجام مختلفة، ومثبتة باستخدام مواد لاصقة ومونة هندسية خاصة.
وقد صُممت هذه المواد لتحمل درجات حرارة تصل إلى 1200 درجة مئوية، وهي قريبة من الظروف الحرارية الناتجة عن محركات الصاروخ في الثواني الأولى من الإقلاع.
كما تحتوي القناة على مُحوِّل لهب ضخم يعمل على إعادة توجيه الطاقة الحرارية بعيداً عن الصاروخ والمنصة، مع استخدام جزء من المياه لتبريد هذا النظام خلال التشغيل.
نافورة غير متوقعة تكشف قوة النظام
خلال اختبارات التدفق التي سبقت مهام “أرتميس”، رصد المهندسون ظاهرة غير متوقعة، حيث تحولت بعض تدفقات المياه إلى نافورة يصل ارتفاعها إلى نحو 30 متراً.
وحدث ذلك عندما لم تكن منصة النقل المتحركة (Mobile Launcher) في موقعها، ما أدى إلى عدم توجيه جزء من المياه إلى المسارات المخصصة لها، فاندفعت إلى الأعلى عبر الفتحات المفتوحة.
وتؤكد ناسا أن هذه الظاهرة ليست خللاً تقنياً، بل دليل على القوة الهيدروليكية الهائلة للنظام، والتي يتم إعادة توجيهها بالكامل أثناء وجود الصاروخ في موقعه.
يمثل نظام تصريف المياه في منصة 39B أحد أكثر الأنظمة الهندسية تعقيداً في تاريخ استكشاف الفضاء، حيث يجري استخدام كميات هائلة من المياه في ثوانٍ معدودة لتشكيل “درع صوتي” يحمي الصاروخ من قوى قد تكون أكثر تدميراً من حرارة المحركات نفسها