خلال النهار، عندما تسطع الشمس وتهب الرياح بقوة، غالبًا ما تتوفر في ألمانيا ودول أخرى كميات من الكهرباء الخضراء أكثر من المطلوب في تلك اللحظة. ولكن لا توجد حتى الآن بطاريات كافية لتخزين هذه الطاقة لاستخدامها لاحقًا. ولذلك غالبًا ما تستمر محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز في تغذية الشبكة عندما تغرب الشمس.
ولا بد من تغيير هذا الوضع، لأنَّ ألمانيا تسعى إلى تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2045، والاتحاد الأوروبي كله بحلول عام 2050. وأنظمة تخزين الكهرباء الخضراء ضرورية من أجل التحول في قطاع الطاقة ولاستقرار أسعار الكهرباء.
وحتى الآن يتم توليد نحو نصف الكهرباء في الاتحاد الأوروبي من مصادر الطاقة المتجددة. ومع زيادة عدد وحدات التخزين الكبيرة، من الممكن أن تزداد هذه النسبة أكثر.
وتوجد حاليًا في كل أوروبا بطاريات كبيرة لتخزين الطاقة بسعة إجمالية تبلغ نحو 14 غيغاواط، بحسب أرقام مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية. وتم في الأعوام الأخيرة توسيع سعة التخزين بسرعة ملحوظة، إذ يجري التخطيط لإنشاء أو يتم إنشاء مرافق تخزين إضافية بسعة 84 غيغاواط. ومن المقرر ربطها بالشبكة الكهربائية في الأعوام القادمة، وهذا سيمثل زيادة بستة أضعاف السعة الحالية.

وتشير توقعات شركة الأبحاث والتحليلات بلومبيرغ لتمويل الطاقة الجديدة (BNEF) إلى ظهور اتجاه مماثل في جميع أنحاء العالم خلال الأعوام القادمة. وتشير التوقعات إلى أنَّ أكبر نمو في وحدات تخزين الطاقة بالبطاريات الكبيرة سيكون في آسيا، وخاصة في الصين و الهند. وفي أوروبا تعتبر ألمانيا و إيطاليا، اللتان تُنتجان كميات كبيرة من الطاقة المتجددة، من أكبر أسواق وحدات تخزين الطاقة بالبطاريات.
ويعود سبب تزايد ربط وحدات التخزين بالشبكة الكهربائية أيضًا إلى الانخفاض المستمر في التكاليف. ومثلًا لقد انخفضت في الأعوام الأخيرة أسعار بطاريات الليثيوم أيون بنحو 20 بالمائة سنويًا. وتتوقع المفوضية الأوروبية انخفاض أسعار البطاريات إلى النصف بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2022.
تقلبات أسعار الكهرباء تعزز توسيع تخزين الطاقة في أوروبا
إذا جمعنا أنظمة تخزين البطاريات المنزلية الصغيرة مع وحدات التخزين الكبيرة، فإنَّ سعة تخزين الطاقة في الاتحاد الأوروبي قد زادت عشرة أضعاف خلال الأربعة أعوام الماضية. ومن أجل تحقيق أهداف المناخ، يجب زيادة هذه السعة عشرة أضعاف أخرى لتصل إلى نحو 750 غيغاواط. ولكننا لا نزال بعيدين كل البعد عن ذلك.
ومع ذلك فإنَّ تقلبات الأسعار المرتفعة الحالية في بورصات الكهرباء تدعم ديناميكية التوسيع في أوروبا.
وذلك لأنَّ الرياح والشمس غالبًا ما تُولّدان خلال النهار كميات من الكهرباء أكثر من حاجة السوق. ومن خلال ذلك تكون الأسعار منخفضة بشكل خاص، بل وأحيانًا سلبية. ونتيجة لذلك يتم إغلاق بعض مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح جزئيًا لبضع ساعات، وهذا يقلل من أرباح منتجي الطاقة.
وعندما يتم في المساء تشغيل محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز، وفي بعض الحالات بالفحم، ترتفع أسعار الكهرباء، كما يقول أوفه زاوَر، أستاذ أنظمة تحويل وتخزين الطاقة الكهروكيميائية في الجامعة التقنية بآخن.
ويضيف: “إذا نظرنا إلى هذه الأسعار، مثلًا خلال العام الماضي، نلاحظ أنَّ تكلفة الكهرباء في منتصف النهار لم تكن تتجاوز في المتوسط أكثر من 0.03 يورو، بينما كانت في ساعات المساء الأولى أقرب إلى 0.18 يورو”.
وهذا الفارق الكبير في الأسعار هو بالذات ما يجعل الاستثمار في تخزين الطاقة بالبطاريات جذابًا بالنسبة للمناخ، وكذلك من منظور اقتصادي – لا سيما مع ارتفاع أسعار الغاز حاليًا بسبب الحرب في أوكرانيا و حرب إيران.
ويقول أوفه زاوَر إنَّ كل وحدة تخزين يمكنها بالتأكيد أن تساعد في خفض ارتفاع الأسعار إلى أدنى حد ممكن. وسيستفيد من ذلك قطاع الصناعة والمستهلكين على المدى الطويل.
وحتى الآن غالبًا ما تتأخر عملية التوسيع في أوروبا بسبب بطء إجراءات الموافقة، وطول مراحل التخطيط، والازدحام الكبير في ربط وحدات التخزين بالشبكة.

تطوير شبكات الكهرباء لتناسب مستقبل الطاقة
لهذا السبب فإنَّ تخزين الطاقة بالبطاريات ضروري للاقتصاد وللتحول في قطاع الطاقة على حدٍ سواء.
ويقول زاوَر: “نحن ننفق نحو 80 مليار يورو سنويًا على استيراد مصادر الطاقة. وهذه تبعيات هائلة يمكن لمصادر الطاقة المتجددة أن تساعدنا في التخلص منها”. ومن المهم هنا التفكير في تخزين الطاقة وشبكاتها كنظام متكامل.
“وهذا يعني أنَّ محطات طاقة الرياح و الطاقة الشمسية تتطلب شبكات طاقة كهربائية للتوزيع المحلي وكذلك وحدات تخزين للتوزيع المؤقت. وكلاهما ضروري للغاية”.
بيد أنَّ شبكات الطاقة في أوروبا غالبًا ما يتجاوز عمرها 40 عامًا. وهي في معظمها غير مصممة لاستيعاب كميات كبيرة من الكهرباء الخضراء المولّدة محليًا ونقلها إلى حيث توجد حاجة إليها. ولذلك يجب تحديث شبكات الكهرباء في ألمانيا وأوروبا وربطها بشكل كافٍ بمزارع الرياح وبمحطات الطاقة الشمسية وبوحدات التخزين.
ومن أجل ذلك من المفترض استثمار نحو 580 مليار يورو حتى عام 2030، بحسب المفوضية الأوروبية.
ولكن هذا يحدث بشكل بطيء في بعض المناطق – وحتى في ألمانيا. حيث تخطط ألمانيا منذ عدة سنين لإنشاء نحو 16 ألف كيلومتر من كابلات الكهرباء الجديدة. وحتى الآن لم يتم إنجاز سوى 20 بالمائة منها. ومع ذلك فقد شهدت مؤخرًا إجراءات الموافقة تقدمًا ملحوظًا.
تزداد الاستثمارات الآن في جميع أنحاء أوروبا، حتى وإن كان من غير المحتمل بلوغ هدف 580 مليار يورو بحلول عام 2030. وبحسب وكالة التعاون بين سلطات تنظيم الطاقة (ACER) فقد تم استثمار نحو 35 مليار يورو في شبكات التوزيع عام 2024، ومن المتوقع استثمار 47 مليار يورو عام 2027.
استغلال الأزمات قصيرة الأجل للتخطيط طويل الأجل
وتشير التحليلات إلى أنَّ حرب إيران من الممكن أن تؤدي إلى إبطاء أو تسريع عملية التوسيع في مجال البطاريات وشبكات الطاقة.

وعلى الرغم من أنَّ النزاع في إيران لم يؤثر حتى الآن إلا بشكل محدود فقط على سوق وحدات تخزين البطاريات، التي تُنتج بشكل أساسي في الصين، بحسب شركة الأبحاث والتحليلات بلومبيرغ؛ ولكنه يؤدي إلى ارتفاع في أسعار الكهرباء. ويمكن لمشغلي وحدات تخزين البطاريات الاستفادة من ذلك على المدى القصير. بيد أنَّ نمو السوق المستدام تطلب مؤشرات أخرى، كما يقول زاوَر.
ويضيف زاوَر أنَّ “مثل هذه الأزمات المؤقتة لا تمثّل في العادة أساسًا جيدًا لاتخاذ قرارات استثمارية في منتجات من المفترض أن تدوم بعد ذلك أعوامًا عديدة”. وعلى الرغم من تزايد الاستثمارات، لكن الخبير زاوَر لا يزال يرى مؤشرات تشير إلى عدم الاستقرار في السوق.
ويقول زاوَر إنَّه متأكد من أنَّ حرب إيران وأزمة الطاقة المرتبطة بارتفاع أسعار الغاز ستنتهيان قبل إنجاز المحطات المخطط لها حاليًا وربطها بالشبكة. ولذلك يجب تحديد أهداف سياسية طويلة الأجل، كما يقول زاوَر: “يجب بناء شبكات كهرباء للأربعين أو الخمسين عامًا القادمة”.
وتزداد باستمرار بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي أهمية الحصول على الليثيوم والمعادن اللازمة لإنتاج البطاريات. بالإضافة إلى المؤشرات السياسية. ولذلك تسعى أوروبا من خلال استراتيجيتها الخاصة بالمواد الخام الحرجة، إلى تعزيز إنتاجها المحلي من عناصر التربة النادرة، وكذلك تقليل اعتمادها على الصين وبناء سلاسل إمداد مستقلة. وبالإضافة إلى ذلك يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز إعادة تدوير هذه المواد الخام.
أعده للعربية: رائد الباش


