الرمثا نت – في رسم كاريكاتوري قديم، يبلّغ الشرطي المشتكى عليه بحقه في الصمت، ثم يحذره بأن ما يقوله قد يُستخدم ضده، ليس أمام المحكمة فقط، بل في الصحف والإذاعة والتلفزيون، وحتى في وسائل إلكترونية لم تكن قد اختُرعت بعد.
كانت نكتة في زمنها، لكنها تبدو اليوم أقرب إلى نبوءة قانونية.
فالمشتكى عليه في عصر المنصات قد يُحاكم مرتين: مرة أمام القضاء وفقاً للأدلة، ومرة أمام الجمهور وفقاً لصورة مبتورة أو تسجيل مسرّب أو منشور مجهول. وقد يصل الحكم الشعبي إلى الإدانة قبل أن يصل ملف القضية إلى المحكمة.
في الأفلام الأميركية، نعرف العبارة الشهيرة: «لك الحق في التزام الصمت». أما في حياتنا الاجتماعية، فإذا صمت المشتكى عليه قيل: لو كان بريئاً لتكلم، وإذا تكلم كثيراً قيل: كثرة التبرير دليل إدانة، وإذا طلب حضور محامٍ قيل: لماذا يحتاج إلى محامٍ إن لم يكن قد فعل شيئاً؟
وهكذا يصبح الإنسان مشتبهاً به لأنه صمت، ومشتبهاً به لأنه تكلم!
لكن القانون لا يقيس البراءة بعدد الكلمات.
فالمادة (101/4) من الدستور الأردني تقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي. وهذا يعني أن عبء الإثبات يقع على جهة الاتهام، وليس على المشتكى عليه أن يتكلم حتى يثبت براءته.
وأكد قانون أصول المحاكمات الجزائية هذا المعنى؛ فنصت المادة (172/3) في المحاكمة الجنحية على أن الظنين إذا رفض الإجابة أو التزم الصمت يُعدّ غير معترف بالتهمة، وقررت المادة (216/3) الحكم ذاته أمام محكمة الجنايات.
أما المادة (63)، فقد أوجبت تنبيه المشتكى عليه أمام المدعي العام إلى أن من حقه ألا يجيب عن التهمة إلا بحضور محامٍ. كما جعلت المادة (175) تقديم الإفادة الدفاعية خياراً له، لا واجباً مفروضاً عليه.
إذن، الصمت ليس اعترافاً، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لسد النقص في أدلة الاتهام.
لكن حق الصمت لا يعني تعطيل التحقيق أو إخفاء الأدلة. فالمشتكى عليه يستطيع أن يصمت، بينما قد يتكلم هاتفه، وتسجيل الكاميرا، والمراسلات، والوثائق، ونتائج الخبرة الفنية؛ شريطة أن يكون الوصول إليها وضبطها وتقديمها قد تم وفقاً للقانون.
فالحق يحمي الإنسان من أن يُجبر على صناعة الدليل ضد نفسه، لكنه لا يمنع السلطات المختصة من البحث عن دليل مشروع ومستقل عنه.
والمشكلة الأكبر اليوم ليست داخل المحكمة فقط، بل خارجها أيضاً. فعندما تُنشر صورة المشتكى عليه واسمه وتفاصيل الاتهام قبل ثبوتها، يصبح حقه في الصمت سلاحاً ضده: يصمت احتراماً للتحقيق، بينما يتحدث الجميع باسمه، ويقدم كل عابر منصة مرافعته وحكمه وعقوبته.
لذلك، نحن بحاجة إلى تنبيه قانوني أردني واضح وموحد يقال لكل مشتكى عليه قبل استجوابه:
«لك الحق في التزام الصمت، ولك الحق في الاستعانة بمحامٍ، ولا يجوز اعتبار صمتك دليلاً على ارتكاب الجريمة».
كما نحتاج إلى ثقافة عامة تدرك أن طلب المحامي ليس قرينة ذنب، وأن الصمت ليس هروباً، وأن الاتهام ليس حكماً، وأن العدالة لا تُدار بعدد المشاركات والتعليقات.
في الدعوى الجزائية، قد يكون الكلام دليلاً، وقد يتكلم الهاتف أيضاً، لكن الصمت وحده لا يُدين أحداً.
فالصمت لا يهدم بينة قائمة، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بينة لم تكن موجودة