” الشبكة بتصيد السمك الصغير.. والحوت بيسبح بأمان
#الـمُــخــدرات بقلم المحامية : راما حرب العزه
أروقة المحاكم مليئة بالسمك ، بينما يسبح الحوت في أعماق لا تصلها الشبكة .”
تتكرر المشاهد ذاتها يومياً شباب في مقتبل العمر يمثلون أمام القضاء، تواجههم تهم “الترويج” أو “الاتجار” بناءاً على مضبوطات محدودة، قد تكون مجرد بضع حبات أو كمية بسيطة من مادة الحشيش ، وبينما تغلظ الأحكام القضائية ويستمر التدفق، يبقى السؤال الجوهري الذي يفرضه الواقع العملي أين تقف العدالة من “المنبع”؟
إن الواقع يشير إلى أن الجهود القضائية والأمنية تتركز بشكل مفرط على صغار المتعاملين، الذين غالباً ما يكونون الحلقة الأضعف في سلسلة إجرامية معقدة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى حول هوية الحوت الكبير، ومن يموله، ومن يحميه، ومن يمنحه مفاتيح العبور، دون إجابات حقيقية.
إن ما نلمسه في ملفات القضايا هو غياب واضح لجدية التحقيقات في تتبع “خيوط الشبكة” فالمحقق يكتفي بالقبض على حامل المادة، دون أن يتوسع في تتبع مصادرها الجوهرية أو الكشف عن التسلسل الهرمي الذي يقف خلفه، والذي يمتد إلى تجار كبار يحركون هذه التجارة من الظل.
إن هذا الخلل في آلية التحقيق يجعل من المروج ( السمكة الصغيرة ) مجرد “رقم” في سجلات المحاكم، في حين يبقى التاجر الحقيقي خارج دائرة الضوء يمارس نشاطه المدمر عبر استبدال الأدوات الصغيرة بأسماك جديدة، مروجون بسطاء سحبتهم أمواج الفقر والجهل، فباتوا ضحايا يُزج بهم خلف القضبان بينما يغيب عن المشهد تماماً ذلك الحوت الضخم الذي يسبح في أعماق هذا البحر بكل طمأنينة.
إن الحوت ليس مجرد تاجر، بل هو الكيان الذي يحرّك التيارات ويخلق العواصف في هذا البحر، يغذي السمك بالسموم ثم يتركه ليواجه مصيره وحده في أيدي القانون. وبينما تنشغل أنظارنا بـ “السمكة” التي تطفو على السطح، سيبقى “الحوت” آمناً في أعماقه يمارس نشاطه المدمر ويستبدل ما نفق من سمك بغيره، ليبقى البحر دائماً مليئاً بالضحايا، وتظل شباكنا تكتفي بصيد الأطراف الضعيفة.
لقد آن الأوان لندرك أن استمرارنا في هذا النهج لا يعني تنظيف البحر من السموم بل يعني استنزاف مواردنا في مطاردة ما لا يغير في المعادلة شيئاً.
إن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين نتوقف عن الاكتفاء بـ “السمكة” ونبدأ في توجيه بوصلتنا -وتقنياتنا واستراتيجياتنا- نحو قاع البحر، لنكشف أين يختبئ الحوت وكيف يدير منظومته لننتقل من حالة “صيد الضحايا” إلى “تفكيك الوحوش”.
فرغم كل ما يصدر من أحكام قاسية تزداد أعداد الغارقين في هذا المستنقع، وتتعاظم أعداد القضايا التي لا تُغلق لنكتشف أننا بأسلوبنا التقليدي لا نحمي البحر بل نكتفي بإحصاء من غرقوا فيه تاركين الحوت يمارس طغيانه بعيداً عن أعين الرقابة.
إن العدالة لا تكتمل إلا عندما تطال يد القانون الرؤوس المدبرة التي تدير هذه التجارة، وتكشف طرق التهريب التي تتجاوز التفتيش التقليدي ليكون القانون بذلك حائط صد حقيقي لا مجرد أداة لإدانة الضحايا الصغار وترك الوحوش الكبيرة تنهش جسد المجتمع.
ختاماً : فالبحر الذي لا يواجه حيتانه سيبقى دائماً مقبرة لسمكه الصغير وساحة مفتوحة لنهش أجساد أبنائنا ومستقبلهم.
و كل التقدير والاحترام لرجال المكافحة في الأمن العام الذين يضعون أرواحهم على أكفهم في مواجهة هذه الآفة، ولكننا كحقوقيين وممارسين للعمل القانوني، ندعو إلى تبني استراتيجية أكثر عمقاً وذكاءاً و استراتيجية تضع “رأس الهرم” في قفص الاتهام، وتكشف الثغرات التي تسمح لهذا الوباء بالدخول، لضمان مستقبل أكثر أماناً لنا و لأجيالنا .
#اليوم_العالمي_للمخدرات