بسام السلمان
وقفت أمام المرآة تحدق في صورتها الصغيرة. مدّت يدها تتحسس رأسها الذي لم يبقَ عليه شعرة واحدة بعد أشهر طويلة من العلاج، كانت تعرف أن الدواء الذي حارب السرطان قد أخذ معه شعرها أيضا، لكنها لم تكن مستعدة لرؤية نفسها بهذه الصورة.
خفضت رأسها وهمست “كيف سأعود إلى المدرسة؟”
تخيلت زميلاتها في الصف السادس وهن ينظرن إليها بدهشة، وتخيلت الأسئلة التي ستطاردها من كل جانب. ثم تسللت إلى قلبها فكرة أكثر قسوة من كل شيء”هل سأعيش أصلًا حتى أعود إلى المدرسة؟”
كان السرطان قد استقر في دماغها وأرهق جسدها الصغير. أيامها أصبحت بين غرف المستشفى وأجهزة العلاج والأدوية الكثيرة التي كانت تحفظ أسماءها أكثر مما تحفظ أسماء الألعاب.
وفي أحد الأيام، جلست طبيبتها إلى جانبها، وربتت على كتفها الصغير وقالت “ستعودين إلى مدرستك.”
ابتسمت الطفلة ابتسامة باهتة. فأكملت الطبيبة “وستجلسين مع صديقاتك في الصف، وستنجحين، وستكبرين أيضا.”
نظرت إليها الطفلة بصمت. ثم قالت الطبيبة جملة لم تغادر ذاكرتها أبدا “لا تسمحي للمرض أن يخبرك من أنت.”
في تلك الليلة، لم تنم الطفلة مبكرا كعادتها. ظلت تحدق في سقف الغرفة البيضاء. كانت تسمع أصوات المرضى في الممرات وأقدام الممرضات وهي تتحرك بهدوء. وفجأة اتخذت قرارها. قالت لنفسها “أنا أحب الحياة… ولن أترك المرض يأخذها مني.”
ومنذ ذلك اليوم بدأت معركتها الحقيقية، مرت الأيام ثقيلة، وأحيانا كانت الشهور تمر وكأنها سنوات. كانت ترى الأطفال يلعبون من نافذة غرفتها بينما تعجز هي عن مشاركتهم اللعب. كانت تسمع جرس المدارس يعود كل صباح، فتشتاق إلى مقعدها ودفاترها وصديقاتها.
كانت تشتاق حتى إلى الواجبات المدرسية التي كانت تمل منها ذات يوم. لكنها لم تستسلم.
كلما سقطت نهضت، وكلما اشتد الألم قالت لنفسها إن الغد سيكون أجمل.
أربع سنوات كاملة مرت وهي تخوض حربا صامتة لا يسمع ضجيجها أحد. أربع سنوات من العلاج والتعب والانتظار. حتى جاء ذلك الصباح، صباح مختلف عن كل الصباحات السابقة.
استيقظت وارتدت زيها المدرسي من جديد، وقفت أمام المرآة نفسها التي بكت أمامها ذات يوم.
لكنها هذه المرة لم تبكِ. ابتسمت، كانت ترى في انعكاس المرآة فتاة أخرى، فتاة أقوى وأجمل وأكثر شجاعة. وعندما وصلت إلى مدرستها حدث ما لم تتوقعه. اصطفت المعلمات والطالبات في الممرات لاستقبالها، ارتفعت التصفيقات، وامتلأت العيون بالدموع. كانت دموع فرح هذه المرة. بعض الطالبات ركضن نحوها واحتضنّها، وكأنهن يستقبلن بطلة عادت من معركة طويلة. أما هي فكانت تنظر إلى بوابة المدرسة وتبتسم. تذكرت تلك الأيام التي ظنت فيها أنها لن تعبر هذه البوابة مرة أخرى. وتذكرت الليالي التي كانت تخشى ألا يأتي الصباح بعدها.
لكنها كانت هنا الآن، حية، مبتسمة، منتصرة. لقد أراد السرطان أن يسلبها طفولتها، لكنها انتزعت من بين أنيابه حياة جديدة. وأراد أن يحطم أحلامها، فإذا بها تحطمه هي أولا.
وهكذا عادت تلك الجميلة إلى صفها، لا كطفلة نجت من المرض فحسب، بل كحكاية أمل تمشي على قدمين، وكدرس لن تنساه المدرسة كلها.
وقالت مديرة المدرسة بصوت سمعه كل جيران المدرسة ذاك الصباح ” أن بعض الأبطال لا يحملون سيوفا، بل يحملون قلوبا صغيرة ترفض الاستسلام”.