قضيت اجازة عيد مطولة في الاردن امتدت لثلاثة اسابيع ورغم انني لم اتغيب الا 9 اشهر لكن كان هنالك احساس مختلف وتغير لم اعهده سابقا. قد يكون مرد انطباعي الغياب وبالتالي ارى الوضع بمنظور مختلف وقد يكون ان هنالك تغير حقيقي يحدث. اضع انطباعاتي بقلب المحب وليس بعين الناقد عسى ان يكون فيها نفع.
هنالك احتقان اجتماعي لم اعهده من قبل. بالتأكيد نتاج تراجع الحالة الاقتصادية والمعيشية. للانصاف هنالك ازمة اقتصادية عالمية والاردن يبدو انه متأثر بها اكثر من غيره قد يكون ذلك نتيجة محدودية الموارد وتراجع السياحة والتصدير لكن المواطن العادي لا يهمه الاسباب بقدر تأثر وضعه المعيشي اليومي.
هنالك تراجع كبير بالثقة بالحكومات والمؤسسات مع فقدان الامل. هذه كانت موجودة سابقا لكن لم تكن يوما بهذه الدرجة من السوء برأيي. باستثناء بعض الملاحظات الايجابية لاداء وزارة الصحة فإن الخطاب اليومي متذمر متشائم. قد يكون سبب ذلك الية التواصل بين الوزراء و المسوؤلين من جهة و الجمهور من جهة. هنالك شعور بأن خطاب المسؤولين نخبوي او بعيد عن نبض الشارع و لخصها الكثير ممن التقيتهم خلال الزيارة بأن (ما حدا حاسس فينا الا جلالة سيدنا اما باقي المسؤولين ما حدا بسمع).
الاخطر مما سبق هو مظاهر فقد الضوابط الاجتماعية و ذلك يلحظ بسهولة خلال القيادة في الشارع فتجد السرعات و الاستعراض و احيانا انت تسير بسرعة الشارع فتجد من يزاحمك غاضبا. تراجع واضح في الثقافة المرورية و ليس في المهارات المرورية.
الاخطر هي ظاهرة الميل للعنف اللفظي او غير اللفظي كبديل للحوار و الاحترام و هذه برأيي التغير الثقافي الأخطر. هو تعبير عن تراكم احتقان و شعور بالاحباط و تراجع في القيم الاجتماعية. لقد كتبت عدة مقالات سابقا عن المناعة الثقافية الاجتماعية و التي تخفف او تمنع تحول المشاكل الاقتصادية و المعيشية الى مشاكل اجتماعية وفق علوم العقل و الاجتماع و التاريخ و البصائر السلوكية و اعتقد ما لم تؤخذ هذه العلوم بجدية فسنشهد زيادة في المظاهر الاجتماعية التي سترهق اجهزة الامن و المجتمع. هذه تحتاج لاهداف كبرى و عقلية قيادية تقود الوزارات و المؤسسات و سردية تناسب عقلية المجتمع و اعادة الاعتبار للقدوات الاجتماعية و المبدعين و المفكرين ليكونوا بوصلة المجتمع. هذه المظاهر يضبطها الاعراف و التقاليد و الشعور بالاحترام و زرع الامل و لغة الحوار.
هنالك ظاهرة تتزايد و هي الاشاعة و تسابق الافراد و صفحات التواصل الاجتماعي لنشر اخبار و حوادث تعتبر عادية او جنح خفيفة لا تؤثر بحد ذاتها بالمجتمع بقدر ما يؤثر نشرها. الكثير من الاحداث مثل مشاجرة عادية او حادث بسيط او خلاف محدود او خلاف بين مدير و موظف او مضاعفة طبية لم يحسم القضاء او اللجان بها و كل هذه تحدث في كل مكان في العالم، لكن عندما تتحول لمادة اعلامية و يتم طرحها من زوايا متعددة تصبح الية افساد للمزاج العام و تصور و كأن هنالك فوضى. الاصل ان ينشر فقط الاحداث الحقيقية و المهمة و بقدر محدود.
ظاهرة اخرى لم نعهدها كثيرا سابقا و هي عدم توفير خدمات بالرغم من توافرها و اذكر مثال ادوار ضخ المياه للمنازل في بعض المناطق و انا حدث لي ذلك و لكن حللتها فرديا بشراء تنك مياه. لكن الهدف من ذكرها ان الخدمة متوفرة لكن تحتاج فقط الية تواصل مع المواطن ان كان هنالك عطل في خط معين. المقصود هنا ان التواصل قد يكون حل يرضي المواطن و يوفر عذر للمسؤول.
بالمقابل لا بد أن أذكر تحسن ملحوظ في الاجراءات في مجالات مثل معاملات الاحوال المدنية من خلال مراكز الخدمات الحكومية و معاملات الترخيص و تجديد رخص المركبات و كذلك في اجراءات المطار. احتفالات عيد الاستقلال كانت مفخرة بحق تعكس حب وطني عارم للاردن و تنظيم امني عالي. استغرب التركيز على موضوع رمي النفايات و التي كان يمكن حلها بدون تصريحات، في المقابل احتفال الملايين بعيد الاستقلال لم نسمع به عن حادث جنائي او أمني او حتى حادث سير و هذا ما كان يجب التركيز عليه لانه يعكس ان الاردنيين شعبا و مؤسسات قد يختلفوا او يتذمروا من الكثير لكنهم يجتمعوا على حب الاردن و قيادتهم الهاشمية.
الملخص ان هنالك تحسن في بعض الخدمات يضيع تأثيرها في زخم ضخ اعلامي يركز على القصص الصغيرة الجاذبة. كما ان هنالك مشكلة تواصل بين المسؤولين و الشعب حيث ان خطاب المسؤول يوجه للنخب و يخاطب الشعب بعقلية و قيم النخب في حين ان التواصل مع العامة في عصر الرقمنة اصبح علما و ضرورة. التراجع الثقافي الاجتماعي هو ما يقلق لانه يسهل تحول المشكلات المعيشية الى مشكلات اجتماعية و ينقل عبئ الانضباط من المجتمع الى القوانين و هذه حالة مرهقة تحتاج مشروع ثقافي اجتماعي مبني على الاسس العلمية و قابل للتطبيق يستهدف استعادة قيم الحوار و احترام الآخر و السلوك الراقي بديلا للعنف و الانفعالية.