لم يكن مستغرباً في زمن التحولات والقيم المتبذلة، أن يطل علينا أحد أولئك الذين نعموا بخيرات هذا الوطن واعتلوا منابره، ليتفلسف بابتسامة باردة وفكاهة سمجة حول جغرافية الأردن وحدوده. وحين يتكئ أحدهم على أريكة الرفاهية التي أثثها له صبر المواطن الأردني وعرقه، ليتحفنا بنكات باهتة مفادها أن خارطة الأردن تشبه المسدس الذي رسم للفصل بين الجيران، فإن فخامته يتناسى عمداً أن خارطة إيطاليا تشبه الحذاء، ولم يجرؤ مسؤول إيطالي، سابق أو لاحق، أن يتهكم عليها أو يصف من رسمها بالسمكري؛ والسبب ببساطة أن ذلك المسؤول الغربي لم يأت بالواسطة، أو التزكية، أو المحاصصة التي ترفع أحياناً من لا يستحق في بلادي.
إن من المفارقات التي تثير الأسى، أن هؤلاء المنظرين الذين يتهكمون على الأردن وجغرافيته، هم أنفسهم من اقتطعوا من كعكته ، وحققوا في ربوعه قفزات ومكاسب لم يكونوا ليحلموا بمعشارها في أي مكان آخر من العالم. لقد نهلوا من مقدرات هذا الوطن حتى ارتووا، وصنعت منهم الدولة رجالات يشار إليهم بالبنان بعد أن كانوا نكرات في عالم السياسة والقرار. وبدلاً من أن يحفظوا لوطن المهاجرين والأنصار جميله، وقفوا يستهزئون بكيانه وكأنهم عابرو سبيل في محطة قطار، متناسين أنهم كانوا يوماً جزءاً من هندسة السياسات التي أرهقت كاهل الشعب.
وهنا، يجب أن نضع النقاط على الحروف بعقلانية لا تخلو من مرارة؛ فاللوم الحقيقي لا يقع على هؤلاء المسؤولين المتنكرين، بل يقع على السياسات التي فتحت لهم الأبواب مشرعة، ومنحتهم الفرصة تلو الفرصة، ونصبتهم سادة على رقاب أبناء الأردن الحراثين، الذين حموا هذه الحدود بدمائهم وأرواحهم بينما كان غيرهم يجمع المزايا والمكاسب.
إن العتب يقع على تلك الهندسة الإدارية التي لملمت نخب الصالونات، وقدمتهم على أبناء الحراثين والبادية الأوفياء، لتكتشف الدولة، بعد فوات الأوان، أن أولئك الذين شبعوا من خيراتها واوفدوا للدراسه بدول اجنبيه على حسابها هم أول من يرميها بحجارة السخرية والتهكم .
إن حدود الأردن لم تكن يوماً مجرد خط حبر على خارطة كرتونية، بل هي حدود صاغتها التضحيات، وكتبها الدم القاني، وصيرورة تاريخية فرضها صمود هذا الشعب في وجه العواصف المتلاطمة. وإذا كانت الخارطة تبدو في أعينهم على شكل مسدس، فإن هذا المسدس لم يطلق يوماً رصاصة جحود ضد أمته، بل تلقى طعنات الغدر ممن أطعمهم الوطن من جوع وآمنهم من خوف. لقد كشفت هذه السقطات حقيقة الولاءات المزيفة، وبقي الأردن عصياً على السخرية، شامخاً بأهله، صامداً بوجه من خانوا ملحه وزاده.