بسام السلمان
طربزون 2024
قضى جاري المسؤول عطلة عيد الأضحى في طربزون التركية، مستمتعا بطبيعتها الخضراء وضبابها البارد، وحين عاد قال لي مبتسما “كانت أربعة أيام جميلة جدا.”
أما أنا، فقد قضيتُ أربعة أيام العيد جالسا أمام باب البيت، أراقب السيارات وهي تتوقف أمام منزله. ينزل منها أطفال يحملون أكياسا سوداء ممتلئة باللحم، ثم تغادر السيارات كما جاءت.
كنتُ أراقب المشهد كأنني موظف استقبال في شركة توزيع أضاحي، لكن دون راتب ودون لحمة.
شرم الشيخ2025
قبل العيد بأيام، عرض عليّ جاري المسؤول أن أرافقه إلى شرم الشيخ. اعتذرتُ منه بأدب، وقلت إنني أحب أن أقضي العيد بين أهلي وأصدقائي.
لم أخبره أنني كنت أخشى أن تأتي “أكياس اللحمة” في غيابي فلا تجد أحدا يستقبلها.
أربعة أيام أخرى قضيتها مترقبا. كل صوت سيارة كان يرفع نبض قلبي، وكل كيس أسود يمر من أمام بابنا كان يترك داخلي حسرة صغيرة. لكن الحال بقي كما هو
العيد يمضي، واللحم يمر من الشارع المجاور فقط.
سنة 2026
في ليلة العيد، سهرت مع جاري المسؤول، وكان منشغلا بترتيب حقائبه استعدادا للسفر ضيفا رسميا إلى إحدى الدول. اعتذر عن ذكر اسمها “لدواع تتعلق بسرية الرحلة”، ثم أوصاني كعادته ببيته وخادمته، التي تركها في البيت كي تستقبل وفود اللحمة والأضاحي أثناء غيابه.
في صباح العيد، تركت ابني الصغير في المنزل ليستقبل “الهدايا المتوقعة” من لحوم الإبل والعجول والخراف، بينما خرجتُ أعايد الناس سريعا وعدتُ مسرعا.
لكن شيئا لم يتغير. ظل الباب صامتا، وظلت الثلاجة تتثاءب من الفراغ.
عصر اليوم الرابع، وقبل أذان العصر بقليل، توقفت أمام بيتنا سيارة “أفانتي” قديمة. نزل منها طفل صغير يحمل كيسا أسود. ظننتُ للحظة أنه أخطأ العنوان، أو أن الكيس متجه كالمعتاد إلى بيت جاري المسؤول. لكن الطفل اقترب مني وقال”عمي هاي اللحمة إلك.”
لا أخفيكم فرحت بها فرحا كبيرا. حملت الكيس إلى المطبخ كما يحمل الناس كنوزهم الثمينة، ووضعته على الميزان. كانت 250 غرامًا من لحم الخروف
مع الدهن والعظم. حمدتُ الله كثيرا. ثم جلست أنتظر عودة جاري المسؤول
لأخبره، بفخر شديد، أنني أنا أيضا وصلتني لحمة العيد هذا العام.
كثير من الأسر لم يصلها شيء من لحوم الأضاحي هذا العيد. حتى إن بعض الناس صاروا يتندرون قائلين “واضح إنّا ساكنين في حارة ما حدا فيها بضحّي!”