26
بقلم الدكتور: معاوية علي الياسين
ليست الأماكن ، في حياة الإنسان المهاجر، أماكن لاستعادة الذكريات فحسب، بل هي محطات روحية، ومرافئ صغيرة، يستريح عندها القلب من تعب الاغتراب، وتستعيد فيها الذاكرة شيئًا من دفء المدن الأولى. فالجلوس على كتف النهر حين يتحول إلى عادة يومية، يصبح جزءًا من السيرة الشخصية، وملحقًا وجدانيًا للوطن البعيد.
لم يكن نهر المسيسبي بالنسبة لي مجرد نهر أزوره كلما اردت الابتعاد عن صخب الايام وهمومها التي لا تنتهي . لقد صار مع الوقت جزءًا من برنامجي اليومي، ومكانًا أستعيد فيه توازني الداخلي ، وأفتح فيه كتابًا، أو ألتقي صديقًا، أو أترك عينيّ تتابعان حركة الناس في الدروب المزدحمة طلبا للمتعة وهدوء النفس . أجلس هناك غالبًا مع فنجان قهوتي، ذلك الفنجان الذي صار رفيقًا صغيرًا لطقوسي اليومية، أحتسيه ببطء، كما لو أنني أحتسي معه شيئًا من الطمأنينة.
في هذا المكان تلتقي وجوه كثيرة. أجانب من أصول مختلفة، من طبقات ومهن وثقافات متعددة، مثقفون، طلاب، عابرون، غرباء، ومقيمون حملتهم الحياة إلى هذا الركن من المدينة. لكل واحد منهم حكايته، ولكل وجه أثره. بعضهم يأتي هاربًا من الوحدة، وبعضهم باحثًا عن حديث، وبعضهم عن صمت، وبعضهم عن زاوية يكتب فيها أو يقرأ أو يتأمل. وهكذا يتحول المكان إلى لوحة إنسانية مفتوحة، لا يسأل فيها أحد الآخر عن أصله بقدر ما يشاركه لحظة حضور عابرة.
حين أجلس رفقة هذا المكان ، لا أغادر مدينتي تمامًا. فمدينتي تأتي معي، تجلس قبالتي، تفتح دفترها القديم، وتهمس لي البيوت الشوارع والوجوه. أستحضر وجوه الاهل ورفاق الصبا والشباب ومقاعد الدراسة، وضجيج اسواق المدينة قبل يوم العيد، وحوارات اباءنا واجدادنا ، ورائحة القهوة، ووجوه أولئك الذين كانوا يجعلون من الجلوس في المجالس فعلًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن حضور ندوة أو قراءة كتاب. كانت تلك الجلسات والحوارات في شتى امور الحياة تعرف كيف تجعل من الجلسة مسرحًا صغيرًا للحياة، وكيف تمنح الكلام قيمة، والصمت معنى.
أما رفقة هذا النهر الجاري الى ما لا نهايه حاملا همومي وهموم الكثيرين على شاكلتني ، فالمشهد مختلف. هنا النظام أكثر هدوءًا، والإيقاع أقل صخبًا، والناس يحترمون المسافة الشخصية بين إنسان وآخر. لا أحد يقتحم عزلتك، ولا أحد يفرض عليك حديثًا لا تريده. ومع ذلك، فإن هذا الهدوء لا يخلو من دفء خفي. تتعدد مكونات الخلق ومن جميع الجنسيات وهنا تتجاور اللغات كما تتجاور الاماكن تسمع لغتك لغات أخرى لا تعرفها، لكنها تمنحك إحساسًا بأن العالم كله يمكن أن يجلس في مكان واحد، وأن الغربة حين تتعدد أصواتها تصبح أقل قسوة
لقد وجدت في هذا المكان امتدادًا لحاجتي القديمة إلى مكان اجد فيه نفسي بوصفه فضاءً للحرية. ففي هذا المكان يستطيع الإنسان أن يكون وحده دون أن يشعر بالعزلة، وأن يكون بين الناس دون أن يفقد خصوصيته.
هناك على ذاك المقعد ، أجلس وكأنني أخلع عن كتفي تعب اليوم. أضع أوراقي أمامي أحيانًا، أو أفتح كتابًا، أو أترك القلم يتحرك على الصفحة باحثًا عن فكرة. كثير من الأفكار التي تولد في مثل هذه الاماكن ليست أفكارًا مرتبة سلفًا، بل تأتي من لحظة خاطفة: وجه عابر، جملة سمعتها دون قصد، ضوء يدخل من النافذة، أو رائحة قهوة امي توقظ ذكرى بعيدة. توقظ فيك ما كنت تظنه نائمًا.
ولا أخفي أنني، كلما جلست هنا، شعرت بأن الغربة ليست مكانًا خارجيًا فقط، بل حالة داخلية تحتاج إلى ترويض مستمر. فالإنسان لا يغادر وطنه مرة واحدة، بل يغادره في كل يوم قليلًا، ويعود إليه في الذاكرة كثيرًا. وحين يجد في الغربة مكانًا يأنس إليه، فإنه لا يلغي غربته، بل يمنحها شكلًا أكثر احتمالًا. وهذا ما فعله نهر المسيسبي معي. لقد أعطاني زاوية أستطيع أن أرى منها العالم دون أن أفقد علاقتي بالمكان الأول.
إن لهذه الاماكن قدرة عجيبة على صناعة أوطان صغيرة داخل الغربة الكبيرة. وقد يكون الوطن أحيانًا طاولة قرب النافذة، أو فنجان قهوة، أو صديقًا يأتي في الموعد، أو كتابًا نعود إليه كل مساء. وقد يكون الوطن أيضًا ذكرى تستيقظ على رائحة البن، أو حوارًا عابرًا مع إنسان لا يشبهك في اللغة، لكنه يشبهك في الحنين.
نهر المسيسبي ، بالنسبة لي، ليس بديلًا عن مدينتي، ولا يمكن لأي مكان أن يكون بديلًا كاملًا عن مدينة الطفولة والتكوين والذاكرة. لكنه صار مكانًا أتصالح فيه مع المسافة بيني وبينها. وصار هذا جزءًا من تاريخي الشخصي. وبين التاريخين تمتد سيرة طويلة من السفر، والغربة، والعمل، والقراءة، والحنين وأكتشاف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى وطن كبير كي يشعر بالانتماء؛ أحيانًا يكفيه مكان صغير، دافئ، مألوف، يضع فيه فنجان قهوته، ويترك قلبه يستريح قليلًا.