د. هيفاء ابوغزالة
قبل سنوات، عندما كنا نعمل في وزارة التربية والتعليم على تأسيس ملف الإرشاد المهني، كان السؤال الذي يشغلنا بسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية: كيف نساعد الطالب في سنواته المدرسية الأخيرة على أن يعرف لماذا يختار تخصصاً بعينه، وماذا سيدرس في الجامعة، وإلى أين يمكن أن يقوده هذا الاختيار؟
كان الهدف ألا يصل الطالب إلى بوابة الجامعة حاملاً معدله فقط، وإنما قدراً من المعرفة بذاته وقدراته وميوله وبالطريق المهني الذي ينتظره.
اليوم، أعتقد أن علينا أن نعود إلى السؤال نفسه، ولكن بصورة مختلفة تماماً.
لم يعد كافياً أن نسأل الطالب: ماذا تريد أن تدرس؟
علينا قبل ذلك أن نسأل: ما الذي سيبقى من الوظيفة التي تستعد لها عندما تتخرج؟
فالطالب الذي يدخل الجامعة اليوم لن يدخل سوق العمل اليوم. أمامه أربع أو خمس سنوات، وربما أكثر، وهي في زمن الذكاء الاصطناعي ليست فترة قصيرة. ما نعدّه اليوم وظيفة مستقرة قد تتغير طبيعتها جذرياً قبل أن يحمل الطالب شهادته.
وهنا تكمن المفارقة: قد ننجح في زيادة أعداد الملتحقين بالتعليم العالي، ونفتح تخصصات جديدة، ونخرّج آلاف الشباب، ثم نكتشف أننا أعددناهم بإتقان لسوق عمل سبقهم الزمن إليه.
الذكاء الاصطناعي لا يعني أن الإنسان سيخرج من سوق العمل، لكنه يعني أن كثيراً من الأعمال التي اعتدنا أن يؤديها الإنسان لم تعد تحتاج إلى العدد نفسه من الأشخاص ولا إلى الوقت نفسه. إدخال البيانات، والأرشفة، وإعداد التقارير النمطية، والترجمة الأولية، وخدمة العملاء، وأجزاء من المحاسبة والعمل القانوني والإعلامي والإداري، كلها تتغير أمامنا بسرعة.
ولذلك قد لا تختفي الوظيفة، ولكنها ستتغير من الداخل.
قد يبقى المسمى الوظيفي نفسه، بينما يصبح موظف واحد، يمتلك الأدوات الرقمية المناسبة، قادراً على إنجاز عمل كان يحتاج سابقاً إلى عدة موظفين.
وهذا تحديداً ما يجعل قضية البطالة أكثر تعقيداً من مجرد البحث عن شواغر جديدة.
نحن بحاجة إلى أن نسأل قبل أن نُخرّج المزيد: ماذا سيحتاج الاقتصاد فعلاً؟
وهنا أرى أن الإرشاد المهني الذي بدأناه قبل سنوات يحتاج اليوم إلى جيل جديد بالكامل. إرشاد لا يكتفي بتعريف الطالب بالتخصصات الجامعية، بل يعرّفه بمستقبل المهن؛ ما الذي ينمو منها، وما الذي ينكمش، وما الذي سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيله، وما المهارات التي سيكون عليها طلب بعد خمس أو عشر سنوات.
فليس من العدل أن نضع أمام شاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة قائمة بالتخصصات ونطلب منه أن يختار مستقبله، بينما لا نضع أمامه المعلومات التي تخبره إلى أين يتحرك العالم.
كما لم يعد مقبولاً أن يكون نجاح الجامعة مرتبطاً فقط بعدد المقبولين والخريجين. السؤال الأهم أصبح: كم خريجاً أعددنا لسوق الغد، لا لسوق الأمس؟
وهذا يتطلب أكثر من تعديل المناهج أو استحداث تخصص يحمل اسماً عصرياً.
نحن بحاجة إلى خريطة وطنية لمهن المستقبل، تُحدّث باستمرار، وتربط بين التعليم وسوق العمل والاستثمار والتحولات التكنولوجية. خريطة تصل إلى الطالب قبل اختياره تخصصه، وإلى أسرته قبل أن تستثمر سنوات ومدخرات في تعليمه، وإلى الجامعة قبل أن تفتح تخصصاً جديداً، وإلى صانع القرار قبل أن يجد أمامه آلاف الخريجين الباحثين عن وظائف لم يعد الاقتصاد يحتاج إليها بالحجم نفسه.
لكن القضية لا تتوقف عند الطلبة.
هناك موظفون اليوم في الحكومة والقطاع الخاص يؤدون أعمالاً ستتغير خلال سنوات قليلة. فهل ننتظر حتى تتجاوز التكنولوجيا مهاراتهم، ثم نبدأ الحديث عن إعادة التأهيل؟
التدريب في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون نشاطاً جانبياً أو دورة تضاف إلى السيرة الذاتية، بل جزءاً من الحياة المهنية نفسها. فالموظف الذي لا يطور أدواته باستمرار قد يجد أن وظيفته لم تختفِ، لكن المهارات التي جاء بها إليها لم تعد كافية للبقاء فيها.
لقد كنا في الماضي نساعد الطالب على أن يختار ماذا سيدرس.
أما اليوم، فالمسؤولية أصبحت أكبر بكثير.
علينا أن نساعده على أن يفهم أي عالم سيدخل بعد أن ينتهي من الدراسة.
فالخطر الحقيقي ليس أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف أبنائنا، وإنما أن نعرف منذ الآن أن الوظائف تتغير، ثم نستمر في تعليمهم وتوجيههم وكأن شيئاً لم يتغير.
العالم لا ينتظر شهاداتنا ولا خططنا ولا سنواتنا الدراسية.
العالم يعيد الآن رسم خريطة العمل.
والسؤال الذي يجب أن يبدأ من المدرسة، لا بعد التخرج، هو:
هل سنواصل تخريج أبنائنا للماضي… بينما العالم يوظّف للمستقبل