* عندما يصبح الوزير خوارزمية
ماذا لو استيقظنا غداً على حكومة يتولى فيها “وزير اتصال” افتراضي مهمة مخاطبة المواطنين، من دون مؤتمرات صحفية أو بيانات تقليدية؟
هذا السؤال لم يعد درباً من الخيال؛ فالواقع الرقمي يشهد تحولات متسارعة، إذ حملت الوزيرة الافتراضية “ديلا” حقيبة مكافحة الفساد في حكومة ألبانيا لتقليص التدخل البشري وتحييد تضارب المصالح، فيما أطلقت حكومتنا “فرح” ناطقة رقمية تتولى مخاطبة المواطنين.
قد تبدو التجربتان متباينتين في الغاية، لكنهما تكشفان تحولاً بنيوياً أعمق: لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية هامشية في العمل الحكومي، بل اقتحم مؤسسات الدولة وبدأ يتحدث باسمها في مساحات كانت حكراً على الإنسان.
ما يستوقفني ليس المفاضلة بين التجربتين، بل ما ينبغي أن يسبق الاحتفاء بهذه الابتكارات محلياً؛ ألا وهو دمج التقنيات في إصلاح فعلي لإدارة المعلومة الحكومية برمتها، لا الاكتفاء بلصق واجهة عصرية على إدارة كلاسيكية. فحين تنطق آلة باسم الحكومة، لا يعود المحك محصوراً بسرعة ردودها، بل يمتد إلى المعلومات التي تستند إليها ومصادر توثيقها؛ فالخوارزمية وإن كانت قادرة على صياغة الأجوبة، ستظل عاجزة عن إنشاء معلومة ذاتية تتجاوز المعطيات المُلقاة في حَجرِها.
من هنا يَتکشف الاختبار الحاسم للناطقة الرقمية؛ فهو لا يكمن في طلاقة أجوبتها، بل في منعة بيانات الحكومة وقدرتها على التمييز بين المعلومة الرسمية والتفسير، فضلاً عن رسم الحدود بين ما يُبتُ فيه آلياً وما يستوجب تقديراً بشرياً. فالمواطن لا يعنيه الاستماع إلى نظام ذكي، ما لم ينتهِ إلى حقائق تروي ظمأه المعرفي.
وهنا يبرز التساؤل أمام الحكومة: هل البنية المؤسسية مستعدة حقاً لهذا التحول؟ إن الاستعداد شرط حتمي؛ فلن تستطيع “فرح” رتق التصدعات في بُنية معلوماتية مشتتة بين الوزارات تفتقر للتحديث والتصنيف. فإذا كانت المعلومات الأساسية منقوصة؛ ويشوبها التعتيم، فلن تنقلب إلى حقيقة ساطعة لمجرد أن آلة صماء تولت زخرفتها. فجودة المُخرجات تظل رهينة بسلامة المدخلات.
وفي هذا السياق، تؤكد التجارب العالمية أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تُقاس ببراعة البروفايل وأناقته، بل بصلابة شبكة البيانات ومنظومة الحوكمة التي تقف خلفه؛ فمثلاً وظفت سنغافورة ناطقة لتطوير الخدمات، بينما اختارت الخارجية الأوكرانية “فيكتوريا” لإدارة الشؤون القنصلية.
قد يمنح الذكاء الإدارة سرعة التواصل، لكنه لا يكفل تعزيز الشفافية؛ فالمكاشفة لا ترتهن بسرعة الاستجابة، بل بيُسر الوصول إلى المعلومة ودقتها وجلاء مصدرها والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصويبه.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التقنية وحسب، بل يفتح اقتحام الآلة فضاء الخطاب الرسمي الباب أمام محاذير سياسية؛ حيث تطل برأسها معضلة تسليع المعلومة وتوجيهها، فقد تكتسي المخرجات رداء الدعاية لأمزجة مؤسسية، فتتحول التقنية من أداة تواصل إلى بوق يعكس هوى السلطة لا حاجة المواطن.
وتطل برأسها أيضاً مسألة عدالة الوصول إلى المعلومة؛ فالناطقة الرقمية تفترض ضمناً مواطناً مندمجاً تقنياً، فما ذنب من يفتقرون للمهارات الرقمية؟ فإن كانت المعلومة حقاً أصيلاً لكل مواطن، فلا ينبغي أن تختزل في تطبيق أو أداة.
لهذا كله، يغدو إطلاق الأيقونة الرقمية خطوة شكلية، إن لم يندرج في صلب بنية حكومية لإدارة المعلومات وتدفقها بشفافية وسرعة؛ لتكون مرآة دقيقة ترتبط بمنصة “حقك تعرف” بعد نفض ركام الإهمال عنها، وتغدو مرجعية وطنية تجمع القرارات والوثائق والأرقام ومصادرها الموثوقة، مانحة المواطن والصحفي حق الوصول والتدقيق بعيداً عن تقاذف البيانات بين المواقع والمنصات المعزولة.
وفي هذا المرتكز بالذات، يجب ألا ينكمش دور الصحافة الحرة أو يتقهقر أمام طغيان المستجدات الرقمية، بل يتضاعف دورها شأناً وعمقاً؛ فوظيفتها لا تقف عند حدود اجترار ما تبثه الحكومة وناطقها، بل تتجاوزه للنفاذ إلى ما وراء الإجابات الجاهزة والروايات الرسمية؛ تبحث، تقارن، وتنبش عما تغفله الواجهات الرقمية، لا سيما أن المشكلة ليست تقنية فقط، بل في طريقة إدارة المعلومة وإتاحتها، ولأن فائض الإجابات قد يعقد وصول المواطن إلى الأهم وسط هذا الزحام.
إن إقحام الذكاء الاصطناعي يظل خطوة منقوصة؛ ما لم يواكبها غربلة جادة في الإدارات وسياسات الإعلام؛ وإلا فإننا سنكون أمام غطاء رقمي فاره لبيروقراطية عتيقة تتغير مظاهرها بينما يظل جوهر التفكير على حاله. وهذا هو الوجه الأكثر خطورة لـ “الغسل الرقمي”: أن تتجمل الإدارة شكلياً دون أن تتغير في عمق جوهرها.
فحين نسخر الذكاء الاصطناعي لتجميل المظهر الإداري، فنحن لا نغادر المربع البيروقراطي، بل نمنحه حنجرة أعلى صوتاً وواجهة أكثر لمعاناً لإنتاج إجابات معلبة.
أما إذا استُثمر التقدم الرقمي لترتيب بيت المعلومات الحكومية، بحيث تستقيم البيانات وتتضح المصادر وتتحدد المسؤوليات، فقد نكون أمام ومضة أمل لإصلاح حقيقي.
من هنا، لا يكفي التغني بهذه المبادرات، بل يفرض الواجب إخضاعها لتقييمات علمية ومستقلة تمحص دقة المخرجات ومصادرها مع نشر نتائجها بشفافية. فصرح الثقة لا يُبنى بالإعلانات البراقة، بل بالمحاسبة والقدرة على تقويم الاعوجاج؛ فالمعيار الحقيقي لا يقف عند امتلاك أداة تضخ الكلام بسرعة، بل في قدرة الإدارة الحكومية على إعادة هندسة علاقتها بالمعلومة والمواطن.
وخلاصة القول، لا ينبغي أن يبلغ الطموح الحكومي مداه بمجرد إنابة الزميلة “فرح” للثرثرة بالنيابة عنها، بل أن ترتقي كفاءة الإدارة نحو شفافية أعمق، ومكاشفة أجرأ، ووضوح أشد في تحديد المسؤوليات.
وحين تبلغ هذه الغاية، فلن تكون بصدد إنجاز تقني عابر، بل أمام فرصة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.
وربما… في غمرة هذا المخاض، ننجح في إنجاز التحول الرقمي، وترشيد جسد الحكومة، وتقليص طوابير الطامحين للمقاعد الوزارية… بضربة (كيبورد) واحدة.