بسام السلمان
ذهبت لأداء صلاة العشاء في مسجد علي بن أبي طالب، أو كما يُعرف“مسجد السلمان“. عشر سنوات كاملة مضت منذ أن وطئت قدماي عتبته آخر مرة، لكنها بدت لي وكأنها عمر بأكمله.
دخلت المسجد ولم أكن مجرد مصلٍ جاء لأداء الصلاة، بل كنت انسانا يبحث عن عمره الذي تركه بين الجدران، أخذت أتفقده زاوية زاوية، وعمودا عمودا، وألمس حجارة المكان التي كانت شاهدة على أجمل سنوات الشباب، هنا كنا نجلس، وهناك كنا نسند ظهورنا بعد صلاة الفجر، وفي ذلك الركن كانت تُحاك أحلامنا الصغيرة التي كبرت قبل أن نكبر نحن.
عدت بذاكرتي إلى عام 1981، إلى الصف الأول في صلاة الفجر، يوم كان عدد رجاله لا يتجاوز أصابع اليدين، بحثت عنهم، فلم أجد أحدا، نظرت إلى رجال المسجد اليوم، فرأيت كثيرا منهم يصلون على الكراسي، أدركت أن الزمن لا يترك أحدا على حاله.
اشتقت إلى صوت جدي مفلح العلي وهو يؤم المصلين، واشتقت إلى صوت عمي إسماعيل السرحان وهو يذكر الله قبل أذان الفجر، واشتقت إلى صوت والدي العذب وهو يرفع الأذان، فيوقظ الأرواح قبل أن يوقظ النائمين.
ثم أخذت أبحث عن مؤذن المسجد وخادمه الشيخ صالح العبد الرحمن صاحب النشاط الدؤوب والحركة التي لا تهدأ لكنني لم أجده فعرفت أن الزمن مضى به كما مضى بغيره.
وتذكرت شباب المسجد الذين كانوا يعلمون الأطفال القرآن، ويغرسون فيهم الأخلاق قبل الحروف، سألت عنهم، فقيل لي لقد رحلوا عن الحارة، كما رحلت أنت، وتفرقت بهم الحياة إلى مساجد وأحياء أخرى.
لا أنسى ذلك اليوم حين تغيب خطيب المسجد، وكنت طالبا في السنة الأولى من الجامعة، صعدت المنبر وقدمت مقدمة للخطبة كنت أظنها بليغة وجميلة، لكن ما إن بدأت في صلب الموضوع حتى خانتني الكلمات، وأخذ لساني يتلعثم، وكأن رهبة المنبر أكبر من كل ما حفظته. ومع ذلك، أكملت الخطبة مستوفيا أركانها وشروطها، ونزلت وأنا أشعر أنني خرجت من امتحان لن أنساه ما حييت.
سلامٌ عليك يا مسجد عليّ، يا ذاكرة الطفولة، ورفيق الشباب، ومحراب الأحبة الذين سبقونا إلى الله، ستظل في القلب بيتا لا تهدمه السنوات، ولا تمحوه المسافات.