الرمثا نت
يحتفل الأمريكيون هذا العام بالذكرى الـ250 لانطلاق مسار الاستقلال الذي أدى إلى تأسيس الولايات المتحدة. وهي مناسبة تعيد إلى الواجهة إحدى أقدم العلاقات الدبلوماسية في تاريخ البلاد مع المغرب، حيث يعتبر مؤرخون أمريكيون أن المغرب هو أول بلد اعترف فعليا بأمريكا عام 1777 كدولة مستقلة. فماذا نعرف عن هذه القصة؟ ولماذا كان المغرب أول بلد يعترف بالولايات المتحدة؟
بمناسبة الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو/تموز 1776، أعاد مشروع قرار تقدم به نائبان في الكونغرس الأمريكي للاحتفاء بمرور 250 عاما على العلاقات المغربية الأمريكية، تسليط الضوء على الدور الذي لعبه المغرب في بدايات هذه العلاقة التاريخية.
ويعود هذا الفصل من التاريخ إلى السنوات الأولى لقيام دولة الولايات المتحدة، حين كانت حرب الاستقلال لا تزال مستعرة بين المستعمرات الأمريكية وبريطانيا. ففي تلك الفترة، وبعد نحو عام من إعلان الاستقلال، اتخذ السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله قرارا لافتا تمثل في فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأمريكية.
ففي 20 ديسمبر/كانون الأول 1777، أصدر السلطان سيدي محمد بن عبد الله إعلانا يسمح للسفن التي ترفع العلم الأمريكي بدخول الموانئ المغربية، في خطوة يعتبرها عدد من المؤرخين الأمريكيين بمثابة أول اعتراف فعلي، من دولة أجنبية، بالولايات المتحدة الناشئة.
في ذلك الوقت، لم تكن الولايات المتحدة قد حصلت بعد على اعتراف بريطانيا، التي لم تعترف رسميا باستقلال مستعمراتها السابقة إلا بعد توقيع معاهدة باريس سنة 1783.
وبعد ما يقارب قرنين ونصف، لا تزال الرباط وواشنطن تستحضران تلك اللحظة بوصفها بداية علاقة دبلوماسية استثنائية بين بلدين جمعتهما المصالح التجارية أولا، قبل أن تتحول إلى واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة.
وقد تطرق الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لهذه الذكرى عام 2009 خلال خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة قائلا “أعلم كذلك أن الإسلام كان دائما جزءا لا يتجزأ من قصة أمريكا حيث كان المغرب هو أول بلد اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية. ”
كانت السلطنة المغربية، التي يحكمها العلويون آنذاك، دولة مستقلة في أقصى غرب العالم الإسلامي. وكان يحكمها السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757-1790)، الذي يعتبره عدد من المؤرخين أحد أبرز السلاطين الذين ساهموا في تعزيز دعائم الدولة المغربية وتوسيع حضورها الدبلوماسي والتجاري.
وخلافا لجيرانه في شمال أفريقيا، لم يكن المغرب تابعا للإمبراطورية العثمانية، حيث كانت الجزائر وتونس وليبيا مرتبطة بدرجات متفاوتة بالباب العالي.
وكان السلطان المغربي آنذاك ينتهج سياسة خارجية مستقلة، ويسعى إلى تعزيز حضوره التجاري في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. وخلال فترة حكم السلطان محمد الثالث، أبرم المغرب عددا من معاهدات التجارة والسلام مع دول أوروبية، وشجع الانفتاح على التجارة الدولية، كما عمل على تطوير التجارة البحرية.
وفي هذا السياق، أولى السلطان أهمية خاصة لمدينة الصويرة، فطوّرها وجعل منها أحد أهم الموانئ التجارية في المملكة وبوابة للتبادل التجاري مع أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء.
وعلى المستوى الداخلي، عمل على تعزيز سلطة الدولة واحتواء عدد من الاضطرابات والصراعات المحلية، في إطار سياسة هدفت إلى ترسيخ الاستقرار ودعم النشاط الاقتصادي.
الولايات المتحدة تبحث عن الاعتراف
عام 1777، كانت الولايات المتحدة في خضم حرب الاستقلال ضد بريطانيا العظمى. وكانت آنذاك اتحادا من ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية أعلنت انفصالها عن التاج البريطاني، حيث صوت الكونغرس القاري في 4 يوليو/تموز 1776، على إعلان الاستقلال، لتبدأ مرحلة تأسيس الدولة الأمريكية الجديدة.
وفي تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة الفتية تبحث عن اعترافات دولية وتحالفات خارجية تدعم وجودها السياسي وتساعدها في مواجهة بريطانيا. وجاء الانفتاح المغربي عليها في وقت لم يكن مصير الجمهورية الناشئة قد حُسم بعد.
وفي عام 1778، أصبحت فرنسا أول حليف رسمي للولايات المتحدة بعد توقيع معاهدة التحالف بين البلدين، مقدمة لها دعما عسكريا وماليا مهماً خلال الحرب.
أما بريطانيا، فلم تعترف رسميا باستقلال مستعمراتها السابقة إلا بعد انتهاء الحرب. ففي 3 سبتمبر/أيلول 1783، وُقعت معاهدة باريس التي اعترفت بموجبها بريطانيا بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية واستقلالها.
من الاعتراف الفعلي إلى معاهدة الصداقة
في ديسمبر/كانون الأول 1777، سمح سلطان المغرب سيدي محمد بن عبدالله للسفن التجارية الأمريكية بالدخول لموانئ بلاده. وينظر مؤرخون أمريكيون إلى هذا القرار على أنه أول اعتراف فعلي بالولايات المتحدة، بعد إعلان الاستقلال في 1776.
حيث أصدر السلطان إعلانا أجاز بموجبه للسفن التي ترفع العلم الأمريكي بدخول الموانئ المغربية، واضعا الولايات المتحدة على قدم المساواة مع الدول التي كانت تربطها بالمغرب معاهدات وعلاقات رسمية.
وجاء هذا القرار في سياق سياسة مغربية قائمة على الانفتاح التجاري، إذ كان المغرب يسعى إلى توسيع علاقاته الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وكانت التجارة تشكل أحد أهم موارد الدولة.
ومثل هذا الاعتراف بالنسبة للولايات المتحدة، كخطوة دبلوماسية مبكرة عززت مكانة الدولة الناشئة على الساحة الدولية.
وبعد نحو تسع سنوات، تُوِّج هذا التقارب بتوقيع معاهدة الصداقة والسلام المغربية الأمريكية سنة 1786، المعروفة أحيانا باسم “معاهدة مراكش”. ووقعها السلطان محمد بن عبد الله والمبعوث الأمريكي توماس باركلي، لتصبح الإطار الرسمي للعلاقات بين البلدين.
وجاء توقيع المعاهدة في مرحلة مبكرة جدا من تاريخ الولايات المتحدة، قبل انتخاب جورج واشنطن أول رئيس للبلاد 1789، وقبل اكتمال بناء المؤسسات الفيدرالية الأمريكية بصيغتها المعروفة اليوم.
وتُعد معاهدة الصداقة والسلام المغربية الأمريكية من أقدم المعاهدات التي ما تزال سارية المفعول في تاريخ الولايات المتحدة.
وبعد ثلاث سنوات من توقيع المعاهدة، وجّه جورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وأول رئيس لها، رسالة إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله، أكد فيها حرص بلاده على مواصلة علاقات الصداقة والتعاون مع المغرب. وتكتسي الرسالة أهمية خاصة لأنها كُتبت في السنوات الأولى لتأسيس الدولة الأمريكية الحديثة، ما يعكس المكانة التي احتلها المغرب في بدايات السياسة الخارجية الأمريكية.