بسام السلمان
غدًا الثلاثاء، أول أيام عيد الأضحى المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى وطننا بالخير والمحبة والأمان. ومع اقتراب العيد، تعود الذاكرة تلقائيا إلى تلك الأيام البسيطة التي كان فيها للعيد طعم مختلف، ورائحة مختلفة، وفرحة لا تُشترى مهما تغيّرت الأزمنة.
كنا ننتظر العيد كما ينتظر العاشق موعده الأول، لا لأن الملابس كانت جديدة وفاخرة، ولا لأن الموائد كانت ممتلئة بما لذّ وطاب، بل لأن الفرح نفسه كان يسكن القلوب دون تكلف. كانت “العيدية” يومها قرشا واحدا، ثم ارتفعت بعد سنوات إلى خمسة قروش، لكنها بالنسبة لنا كانت ثروة صغيرة تكفي لصناعة يوم كامل من السعادة.
نخرج صباح العيد بثيابنا الجديدة، نجوب البيوت، نقبّل أيدي الكبار، ونعود بجيوب مليئة بالنقود المعدنية التي تُصدر موسيقى خاصة كلما ركضنا في الحارة. وبعد جولة “لمة العيدية”، كنا نتوجه إلى “مرجيحية ” الشيخ صالح، تلك الأرجوحة الخشبية البسيطة التي كانت بالنسبة لنا مدينة ألعاب كاملة، نضحك عليها حتى تتعب الضحكات منا.
وحين كبرنا قليلًا، كبرت أحلامنا مع قيمة العيدية. صار الذهاب إلى السينما أهم مشاريع العيد، نركب الباصات إلى إربد، وندخل سينما الفردوس أو الزهراء أو الدنيا، وأحيانا سينما الجميل البعيدة قليلا عن مجمع السيارات القديم. كنا نشاهد فيلمين بتذكرة واحدة، نغرق في الأفلام الهندية، ونصفق لبروسلي وكأننا في معركة حقيقية، حتى إننا حفظنا الأغاني الهندية عن ظهر قلب، وأتقنا بعض الحركات القتالية التي كانت تنتهي غالبًا بكدمات صغيرة وضحكات كبيرة.
كنا نعود مساء بجيوب فارغة، بعد أن صرفنا كل ما جمعناه على التذاكر وسندويشة وزجاجة بيبسي أو ميرندا أو سفن أب، لكننا كنا نعود بقلوب ممتلئة بالحياة، وبذاكرة تكفي عمرا كاملا من الحنين.
اليوم تغيّرت الأشياء كثيرا. أصبحت العيدية لا تقل عن دينار أو أكثر، لكن المفارقة المؤلمة أن الأطفال يجمعونها، بينما يأخذها الكبار بحجة المصروف والالتزامات. تغيّرت الألعاب، وتغيّرت السينما، وحتى العيد نفسه أصبح يمرّ سريعًا بين انشغالات الحياة وضغوطها.
ومع ذلك، يبقى العيد فرصة نادرة لكي نتذكّر أننا كنّا يوما أبسط، وأقرب لبعضنا، وأكثر قدرة على الفرح بأشياء صغيرة جدا. فربما لم تكن قيمة العيدية هي ما يصنع سعادتنا، بل تلك القلوب التي كانت تعطي بمحبة، وتفرح بفرحتنا وكأنها تعيش العيد للمرة الأولى.
كل عام وأنتم بخير، وكل عيد وذاكرتنا بخير.