أين ذاك الطفل مني

د. عبدالله الزعبي.

أقف على أطلال الطفولة، أرقب بتأني فجر إطلالتها، اقلب صفحات الزمن الهاربة مني إلي، أتمعن في سطورها المهترئة، المتناثرة على اكوام الغيوم وارصفة الايام، استرجع ومضات الرحلة الغائرة بين سواقي الوجع، وفقاعة العمر تسمع خريرها في جدول الوهم ورقراق السراب. آه أيها الطفولة التي بددتها بالإنتظار، أطلب البطولة وأتعلق بأهداب الفروسية والرجولة، آه من ذاك الطفل الذي غادر جسدي، ما برح يلاحقني من أزلي إلى أبدي وسرمدي، يطرب على انغام ألمي ويتمتع بأنات الشوق إلى المجهول والغد الخفي. أراه بقايا من ظلي، يسخر مبتسماً من أحزاني ونجمي إذ أفل، ونزوة أملي ورجائي. كم يقسو على فرحتي ذاك الطفل بشعره الذهبي وبشاشة اساريره البريئة، وخجله المتواري خلف اسوار الجراءة، يشكو أنياب الحسد وأعين زنيمة يملؤها الفراغ. كل يوم يعقد جلسة استجواب مع الطيب الذي ينساب بالشهيق وكل زفير، يرافع بصوت يزمجر في جنبات أوصالي، يؤنب النبل الأحمق والصدق البليد، ثم يدعو هيئة المحلفين، إذ كل يوم ذاك القاضي يصدر قراراً. أتعبني ذاك الطفل وهو يطاردني في صحوتي وحلمي وحيرتي، يتناوبني بين ضفاف الوهم ومجرى الخيال، يخترق جدار عزلتي وتأملي، يدغدغ لحظات السعادة في أعماقي، في البيادر، مع الكرة وضحكات البراءة والطهارة.
تدافع ذاك الطفل مع الأيام، قفز من بين الضلوع صبياً صوب ما هو آت، وفتىً حراً يستهزيء بالعواء والنعيق، يزجر غربان الدروب وأشواك الطريق، يشق المسير بأنفة تليق بالعنفوان. يرنو ذاك الطفل اليوم في داخلي بحنين إلى الحلم الأول والرؤى الباسمة، يبيت كل ليلة على أجنحة اللهفة، يتوق إلى لمسة أمومة غادرت ودفء أبوة رحلت، يندب عمراً ذهب هباءً، يرقد على أجداث الأمل، مثلما طائر يتمايل بين زقزقة النسيان وتغريد الهذيان، ثم يقتات على ذكرى أمست خبراً. هيهات يعود ذاك الطفل في خاطري، يدفع عن الروح الصدئة رماد الأحلام وخيلاء الندم والتوبة والضياع، يحرر النفس من سجنها الموصد واغلالها ويريح أنفاسها التعبة، يشعل قبس القلب والفؤاد ويطفيء نار الشجن والمدمع. ليت سماء الكهولة تصفو وتتبدد سحبها، ليت ذاك الطفل في خاطري يحطم تاج الحكمة ويخرق سكون الخيبة والضعف، ليته يداوي جراح الغربة في المنفى، يداري العجز ونضوج العزلة. هيهات ذاك الطفل في اعماقي يعود بي إلى أطلالي، أستشف بها اليوم وأرى القدر، ثم أوصد الأغلال على ذاك الطفل في ذاتي.

تعليق واحد

  1. م. يوسف العلعالي- المانيا

    ما شاء الله .. تبارك الله .. يا دكتور عبدالله

    ماذا فعلت بي إذ أني لا أفتح صفحة بلدي إلا لأتابع أخبار الأموات قبل الأحياء من حين إلى آخر ولمرات قليلة جداً في كل شهر.
    أبدعت خير إبداع وفصّلت أحلى تفصيل…!
    لقد لفظت من قلب فوصل الكلام إلى القلب والذاكرة معاً….. لا بل وسحبت بكلماتك الراقية والمعبّرة بدقّة من عينيّ عبرات الطفولة وأرجعت بدماغي شاشة أفلامها البريئة وكأنك وضعت ذاكرتي على جهاز غسيل الكلى لتبدأ تحوم، تصول وتجول في غابر الأيام … ففعلاً الغربة أخذت نصيبها من دوامة حياتي وشحّ اتصالاتي بالماضي الرقيق، القريب منه والبعيد.. أشكرك