بسام السلمان
منذ فجر اليوم الثاني لدفن الشهيد، واليوم الثالث للاعتداء الغاشم، زار والد الشهيد قبر ولده وفلذة كبده. كأنما بات تلك الليلة على جمر الغضا، تتنازعه الأفكار، ويؤرقه سؤال موجع، كيف ينام وصغيره وحيدا في قبره؟ وكيف يتركه حتى الصباح دون أن يطمئن عليه، أو يمرر يده على رأسه، أو يقبّل جبينه كما كان يفعل حين كان طفلا؟
نظل في عيون آبائنا وأمهاتنا أطفالا صغارا مهما كبرنا، ومهما امتدت بنا السنوات، ومهما حملنا من مسؤوليات الحياة. نبقى أولئك الذين يخافون عليهم من برد الليل، ومن قسوة الأيام، ومن وعثاء الطريق. فكيف إذا كان هذا الطفل قد كبر وصار شهيدا، وغادر البيت دون أن يودّع أباه، وترك خلفه قلبا لا يعرف كيف يتقبل فكرة الغياب؟
منذ فجر اليوم الثاني لدخوله الجنة، جاءه والده ليطمئن عليه، ويسلّم عليه، ويدعو له أن يكون في رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
لم يتحمل والد الشهيد جواد السلايطة غيابه. لم يستطع أن ينتظر طويلا حتى يذهب إلى قبره. فالأب الذي اعتاد أن يطمئن على ابنه كل صباح، لم يعد يعرف كيف يبدأ يومه دون أن يراه، حتى لو كان اللقاء هذه المرة عند شاهد قبر، وتحت تراب يحتضن جسدا كان قبل أيام يمشي بين أهله وأحبابه.
ذهب الأب إلى قبر ولده، وربما وقف طويلا لا يعرف ماذا يقول. هل يناديه باسمه؟ هل يخبره أن أمه تبكيه؟ هل يسأله إن كان يشعر بزيارته؟ أم يكتفي بأن يقول له بصوت تختلط فيه الدموع بالدعاء: صباح الخير يا جواد، صباح الخير يا حبيبي، جئت أطمئن عليك.
يا لوجع الآباء حين يصبح الطريق إلى أبنائهم يمر عبر المقابر، وحين تتحول الزيارات الصباحية من غرف النوم وأبواب البيوت إلى شواهد القبور. ويا لقسوة الحياة حين تجبر أبا على أن يحمل سلامه وحنينه واشتياقه إلى حفنة تراب، بعدما كان يحمل ابنه بين ذراعيه.
ليس سهلا أن يعود الأب من المقبرة وحده. ليس سهلا أن يغادر المكان ويترك خلفه قطعة من روحه. وربما التفت أكثر من مرة وهو يغادر، كأنه يخشى أن يكون ابنه قد استيقظ ولم يجده بجانبه.
إن الشهادة، مهما علت منزلتها، لا تلغي وجع الفقد، ولا تمنع دموع الأمهات، ولا تجعل قلوب الآباء أقوى من احتمال الغياب. فالإيمان بقضاء الله وقدره لا يعني أن لا نحزن، ولا يعني أن لا تشتاق القلوب إلى أحبابها. لقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
صباح الخير أيها الشهيد جواد السلايطة.
جاءك والدك مع الفجر، كما كان يفعل ربما في أيام حياتك، لكنه هذه المرة لم يوقظك لتذهب إلى عملك، ولم يسألك إن كنت قد تناولت فطورك، ولم يوصك بأن تنتبه إلى نفسك في الطريق. جاء فقط ليسلّم عليك، ويطمئن على ابن لم يعد يستطيع الاطمئنان عليه إلا بالدعاء.
سلام على روحك الطاهرة، وسلام على قلب أبيك المكلوم، وسلام على أمك التي ستظل تنتظر صوت خطواتك عند الباب.
رحمك الله يا جواد، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
ولعل أصعب ما في الحكاية أن والدك سيستيقظ غداً أيضاً، وسيكون أول ما يخطر بباله أن يزورك، ليقول لك من جديد:
صباح الخير يا ولدي… صباح الخير أيها الشهيد.