بقلم : سارة سويلم
مقدمة: خسارة انتخابية لا تعني نهاية ترامب
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد تبدّل في موازين المقاعد داخل الكونغرس؛ بل بدت، في قراءتها السياسية الأولى، استفتاءً على إدارة دونالد ترامب للحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، والرسوم الجمركية، وطريقة ممارسة السلطة. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، وأُعلن عن فوزهم بمجلس النواب أيضاً، بما يضع البيت الأبيض أمام كونغرس معارض في العامين الأخيرين من الولاية. غير أن وصف النتيجة بأنها نهاية سياسية للرجل البرتقالي سابق لأوانه: ترامب يبقى رئيساً، ويحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة، وبحق النقض، وبالقدرة على تحريك ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي.
كونغرس معارض: كوابح أقوى لا رئيس جديد
سيمنح الفوز الديمقراطي لجان الكونغرس ورئاساته أدوات أوسع للاستجواب والتحقيق وطلب الوثائق، كما سيمنح مجلس الشيوخ قدرة أكبر على تعطيل مرشحي الإدارة للمناصب العليا والقضاة والسفراء. وسيصبح تمرير التشريعات والميزانيات أكثر صعوبة، خصوصاً في ملفات الإنفاق والحرب والتعريفات الجمركية. لكن هذه السيطرة لا تعني أن الديمقراطيين يستطيعون إلغاء قرارات ترامب بمجرد التصويت؛ فبعض القوانين تحتاج إلى أغلبية معززة لتجاوز التعطيل، كما يستطيع الرئيس استخدام الفيتو، ولا يملك الكونغرس وحده إدارة العمليات العسكرية اليومية.
المعركة الحقيقية ستكون على حدود صلاحيات الرئيس، لا على إزاحته من البيت الأبيض. يستطيع الديمقراطيون فتح تحقيقات وفرض كلفة سياسية على الإدارة، وطلب تفسيرات بشأن الحرب مع إيران والإنفاق العسكري والتعريفات. وقد يستخدمون سلطة الميزانية والرقابة لدفع البيت الأبيض إلى التفاوض. أما العزل، إن طُرح، فليس نتيجة تلقائية للفوز الانتخابي، ولا يؤدي وحده إلى إقالة الرئيس؛ إذ تتطلب الإدانة في مجلس الشيوخ أغلبية الثلثين، وهو حاجز سياسي ودستوري مرتفع.
إيران ومضيق هرمز: اختبار القوة والتفاوض
تأتي النتائج وسط حرب مع إيران واضطراب في حركة الطاقة، وهو ما يجعل الشرق الأوسط عاملاً داخلياً في الحسابات الأمريكية، لا ملفاً خارجياً منفصلاً. فارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل ينعكس مباشرة على الأسر الأمريكية، وقد أظهرت التغطيات الانتخابية أن الحرب وكلفة المعيشة كانتا من أسباب تراجع الجمهوريين. ومن هنا سيحاول الديمقراطيون الضغط باتجاه رقابة أكبر على استخدام القوة، وتوضيح الأهداف العسكرية وكلفة الحرب وشروط الخروج منها.
لكن السيطرة الديمقراطية لا تعني أن واشنطن ستنهي الحرب فوراً، ولا أن إيران ستقبل بشروط أمريكية جديدة. فقرار الحرب والتفاوض يتأثران بحسابات الأمن القومي والبيت الأبيض والمؤسسة العسكرية وحلفاء الولايات المتحدة. وسيظل مضيق هرمز ورقة استراتيجية شديدة الحساسية: أي تعطّل طويل في الملاحة أو تهديد لناقلات النفط قد يرفع أسعار الخام والتأمين والشحن، ويزيد التضخم عالمياً. أما التوصل إلى تفاهم يضمن حرية الملاحة ويحدّ من التصعيد، فقد يخفف الضغوط الاقتصادية، لكنه يحتاج إلى تسوية سياسية وأمنية لا إلى نتيجة انتخابية وحدها.
باب المندب والبحر الأحمر: أمن التجارة لا يقل أهمية
لا يقل باب المندب أهمية عن هرمز بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، لأنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والطريق إلى قناة السويس. وأي توسع في التهديدات البحرية أو استهداف السفن يرفع كلفة التأمين ويجبر شركات الشحن على تغيير المسارات، بما يزيد زمن الرحلات وكلفة السلع. وقد تتأثر بذلك أوروبا وآسيا والدول العربية التي تعتمد على الاستيراد أو عائدات النقل والخدمات اللوجستية. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن تبدّل السيطرة على الكونغرس سيؤدي تلقائياً إلى فتح المضيقين أو إغلاقهما؛ فذلك مرتبط بموازين الردع، والعمليات العسكرية، وقرارات الأطراف الإقليمية، والتفاهمات الدبلوماسية.
غزة والضفة الغربية: هل تتراجع الحماية السياسية لإسرائيل؟
على الجبهة الفلسطينية، قد يفتح الكونغرس الجديد مساحة أوسع لمساءلة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وشروط استخدامها، ومدى اتساقها مع القانون الأمريكي والدولي. وقد يزداد حضور مطالب وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. لكن الفرق كبير بين تغيير نبرة الخطاب وبين تغيير السياسة: فالبيت الأبيض يظل صاحب دور مركزي في الدبلوماسية والأمن، كما أن الدعم لإسرائيل ما زال يحظى بقاعدة مؤسسية وسياسية داخل الولايات المتحدة، وإن كانت موضع انقسام متزايد بين الأجيال والتيارات الحزبية.
لذلك، فإن المؤشر الحقيقي ليس عدد التصريحات المتعاطفة مع غزة، بل ما إذا كان الكونغرس سيحوّلها إلى جلسات رقابة، وشروط واضحة على المساعدات، وضغط دبلوماسي مستمر، ومواقف قابلة للقياس بشأن حماية المدنيين والمساءلة. أما الضفة الغربية، فقد تتأثر إذا ارتفعت كلفة الدعم الأمريكي للسياسات التي تقوّض فرص التسوية، لكن ذلك يتطلب استمرار الضغط وعدم الاكتفاء بمواقف رمزية.
لبنان والأردن: بين تخفيف التصعيد وكلفة الاضطراب
في لبنان، يمكن لأي تحوّل في الحسابات الأمريكية بشأن الحرب مع إيران أن ينعكس على الجبهة الإسرائيلية اللبنانية، وعلى فرص تثبيت وقف إطلاق النار ومنع اتساع المواجهة. وقد يدفع الكونغرس باتجاه رقابة أكبر على الدعم العسكري وعلى الأهداف المعلنة للعمليات، لكنه لا يستطيع وحده ضمان التزام الأطراف بوقف التصعيد. ويظل تجنّب حرب أوسع مصلحة مباشرة للبنان والمنطقة، بالنظر إلى هشاشة الاقتصاد والبنية التحتية والقدرة المحدودة على امتصاص صدمة جديدة.
أما الأردن، فيواجه معادلة دقيقة. فاستقرار المنطقة وأمن الحدود والطاقة والتجارة عناصر تمس الأمن الوطني مباشرة، كما أن أي تصعيد في غزة أو الضفة أو لبنان ينعكس على الرأي العام والضغوط الإنسانية والاقتصادية. وقد يستفيد الأردن من تراجع احتمالات الحرب وعودة الملاحة إلى مسارات أكثر استقراراً، وانخفاض أسعار الطاقة والتأمين والشحن. في المقابل، فإن استمرار الصراع أو اتساعه قد يرفع فاتورة الاستيراد ويؤثر في السياحة والاستثمار وثقة الأسواق. ولا يعني فوز الديمقراطيين أن المساعدات الأمريكية للأردن ستتغير تلقائياً؛ بل إن الأرجح أن تستمر المصالح الاستراتيجية المشتركة، مع احتمال تصاعد النقاش حول أولويات الإنفاق وشروطه.
الأثر الاقتصادي: النفط والتضخم والأسواق
اقتصادياً، ستكون الطاقة هي قناة الانتقال الأسرع بين التطورات العسكرية والنتائج الانتخابية. فإذا تراجعت مخاطر الحرب وتعطّل الملاحة، فقد تنخفض علاوات المخاطر على النفط والشحن والتأمين، وتخف الضغوط التضخمية. أما إذا تصاعدت المواجهة، فقد تتبدد أي مكاسب انتخابية في الأسواق سريعاً. وقد يؤدي انتقال الكونغرس إلى الديمقراطيين أيضاً إلى معارك حول الرسوم الجمركية والميزانية وسقف الدين، ما يخلق تقلبات إضافية للمستثمرين والشركات.
ولا ينبغي المبالغة في أثر النتيجة على الاقتصاد العالمي فوراً؛ فالتغيير التشريعي يحتاج وقتاً، والقرارات التنفيذية لا تتوقف في يوم الانتخابات. كما أن الأسواق تسعّر التوقعات قبل تحققها، وقد تتذبذب بحسب إشارات البيت الأبيض وطهران وأسعار الطاقة. وبالنسبة إلى الدول العربية، فإن أهم ما يمكن مراقبته هو اتجاه أسعار النفط والغاز، وتكاليف التأمين البحري، وأسعار الغذاء والسلع المستوردة، وحركة السياحة والاستثمار، لا الاكتفاء بقراءة المشهد بوصفه انتصاراً حزبياً في واشنطن.
عبد الرحمن محمد السيد: اختبار ما بعد الوعود
يكتسب سباق عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبدول السيد، أهمية تتجاوز ولاية ميشيغان؛ إذ خاض حملته بانتقاد الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، والدعوة إلى وقف الحرب مع إيران، وتطبيق القانون على الجميع، وإعادة توجيه المال العام إلى الاحتياجات الداخلية. وقد طرح حظراً على السلاح لإسرائيل ومراجعة المساعدات العسكرية الخارجية، وانتقد نفوذ المال السياسي واللوبيات. وإذا تأكد فوزه النهائي، فسيكون انتخابه سابقة تاريخية بوصفه أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي، كما سيمنحه منبراً وطنياً للدفاع عن هذه المواقف.
لكن يجب عدم الخلط بين الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ والقدرة على فرض برنامج سياسي كامل. عضو مجلس الشيوخ يستطيع تقديم التشريعات والتصويت على المساعدات والتعيينات والميزانيات، والمشاركة في اللجان والرقابة، لكنه لا يحدد السياسة الخارجية منفرداً. كما أن المواقف التي يطرحها مرشح خلال الحملة تخضع بعد انتخابه لموازين الحزب، واللجان، والتحالفات، ومقاومة الخصوم، وأولويات الناخبين في ولايته. ولهذا فإن صدقية السيد لن تُقاس بما قاله عن غزة وحدها، بل بما يفعله في ملفات محددة: هل يصوت لربط المساعدات بشروط؟ هل يدعم رقابة مستقلة على استخدام الأسلحة؟ هل يساند استعادة التمويل الإنساني؟ وهل يواصل موقفه عندما ترتفع كلفة المواجهة السياسية؟
من ممداني إلى السيد: كيف نميّز الرمز من الإنجاز؟
المقارنة مع زهران ممداني، عمدة نيويورك، مفيدة من زاوية التوقعات الشعبية، لكنها تحتاج إلى فهم اختلاف الصلاحيات. فالعمدة مسؤول عن إدارة مدينة وخدماتها وميزانيتها ضمن حدود القانون المحلي، ولا يملك تغيير السياسة الخارجية الأمريكية أو وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. وبالمثل، لا يستطيع عضو مجلس الشيوخ بمفرده إنهاء الحرب أو فرض حظر شامل على السلاح. لذلك، فإن غياب تغيير ملموس بعد تصريح سياسي لا يعني بالضرورة أن التصريح كان خداعاً؛ فقد يكون انعكاساً لحدود المنصب أو غياب الأغلبية اللازمة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إعفاء السياسي من المساءلة بحجة القيود المؤسسية: يمكن تقييمه من خلال قراراته وتصويته ومواقفه عند الاختبار.
وعليه، فإن التعامل مع تصريحات السيد يجب أن يكون واقعياً لا احتفالياً ولا تشكيكياً مسبقاً. فالموقف المعلن من غزة مهم لأنه يوسّع مساحة النقاش داخل الحزب الديمقراطي، ويعكس تغيراً في قطاعات من الرأي العام، لكنه لن يصبح سياسة إلا إذا تُرجم إلى أدوات تشريعية وتصويتات وتحالفات وضغط متواصل. والاختبار سيكون في الأشهر الأولى من الدورة الجديدة للكونغرس، لا في خطابات ليلة الانتخابات.
الخلاصة: فرصة للتقييد لا ضمانة للتغيير
تمنح النتائج الديمقراطيين فرصة تاريخية لفرض رقابة أكبر على ترامب، وتقييد بعض خياراته، وفتح نقاش أكثر جدية حول الحرب وكلفة السياسة الخارجية. لكنها لا تزيل الرئيس ولا تنقل سلطة القرار كاملة إلى الكونغرس. وبالنسبة إلى غزة والضفة ولبنان وإيران والأردن، فإن الأثر سيعتمد على ما إذا كان الفوز سيؤدي إلى ضغوط عملية لخفض التصعيد، وتغيير شروط المساعدات، وإحياء المسار الدبلوماسي، أم سيبقى في حدود المناكفة الحزبية.
أما هرمز وباب المندب، فسيبقيان مرآة مباشرة لأي تصعيد أو تسوية: أمن الملاحة ليس شعاراً انتخابياً، بل عامل يحدد كلفة الطاقة والتجارة والتأمين والغذاء. وفي حالة عبد الرحمن السيد، لا تكفي هويته أو تصريحاته لمنحه صكّاً مسبقاً بالإنجاز، كما لا يصح الحكم عليه بالفشل قبل أن يمارس صلاحياته. المطلوب مراقبة الأفعال: التصويت، والتشريع، والرقابة، والتحالفات، والنتائج. فالتغيير السياسي الحقيقي لا يبدأ حين يفوز المرشح فحسب، بل حين تتحول الوعود إلى قرارات قابلة للقياس.
ملاحظة تحريرية ومصادر للاستيثاق
Reuters، 4 نوفمبر 2026: نتائج انتخابات التجديد النصفي وتداعياتها على إدارة ترامب.
Associated Press، 4 نوفمبر 2026: إعلان فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس.
Gulf News، 4 نوفمبر 2026: تحديث مبكر لفرز سباق ميشيغان، أشار إلى تقدم عبد الرحمن محمد السيد مع عدم حسم النتيجة رسمياً وقت النشر.
الجزيرة نت، 26 سبتمبر 2026: مواقف عبدول السيد من غزة والمساعدات العسكرية والقانون الدولي.
CBS News، 1 نوفمبر 2026: مقابلة المرشحين عبدول السيد ومايك روجرز حول السياسة الخارجية والاقتصاد.