بقلم: سارة سويلم
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد محطة دستورية لافتتاح دورة برلمانية جديدة؛ بل جاء في لحظة سياسية وأمنية حساسة، ليضع أمام الدولة ومؤسساتها والمجتمع أولويات متداخلة: حماية الأمن الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وتسريع الإصلاح الاقتصادي، وربط هيبة الدولة بسيادة القانون ومصالح المواطنين اليومية.
وجاء الخطاب في أعقاب الهجوم الإرهابي في الكرك، وهو ما منحه بعداً أمنياً وإنسانياً واضحاً. فقد استهل الملك حديثه بالتأكيد أن الأردن لن يسمح لمن وصفهم بالإرهابيين بأن يمسوا أمن البلاد ووحدتها، مستذكراً شهداء الكرك، وداعياً إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواحهم. لم تكن هذه البداية تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل رسالة بأن أمن الأردنيين ليس ملفاً إدارياً فحسب، وإنما أساس العقد الوطني الذي تتكئ عليه الدولة في مواجهة التهديدات.
الأمن الوطني.. صلابة الدولة ووحدة المجتمع
سياسياً، أعاد الخطاب تثبيت معادلة أساسية في الرؤية الأردنية: قوة الدولة لا تنفصل عن تماسك مجتمعها، ولا تتحقق بالقدرات الأمنية وحدها. فإشارة الملك إلى دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع ثقته بوعي الأردنيين وحكمتهم في أوقات التوتر، تحمل دعوة إلى عدم ترك الخوف أو الغضب يتحولان إلى انقسام اجتماعي أو أحكام متسرعة. وفي أعقاب أي حادث أمني، تصبح حماية الوحدة الوطنية مسؤولية مشتركة، ويغدو الالتزام بالقانون والحقائق ضرورة لا تقل أهمية عن إجراءات الأمن.
وتكمن حساسية هذه الرسالة في أنها تخاطب مجتمعاً يعيش ضغوطاً اقتصادية وإقليمية متراكمة، فيما تظل الثقة العامة عاملاً حاسماً في قدرة المؤسسات على إدارة الأزمات. لذلك، فإن التحدي لا يقف عند احتواء الخطر المباشر، بل يمتد إلى توضيح الحقائق للرأي العام، وتعزيز الشفافية، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون، مع تجنب التعميم أو تحميل جماعات اجتماعية مسؤولية أفعال أفراد.
فلسطين.. معيار استقرار المنطقة
احتلت القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في الخطاب، إذ ربط الملك بين أمن المنطقة واستقرارها وبين ضمان حق الشعب الفلسطيني في وطنه، وتحدث عن استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، محذراً من أن الطموحات التوسعية الإسرائيلية تشكل تهديداً لمستقبل المنطقة وآمال شعوبها. بهذا المعنى، لا تُطرح فلسطين في الخطاب بوصفها ملفاً خارجياً منفصلاً عن المصالح الأردنية، بل قضية ترتبط مباشرة بالأمن الإقليمي وبهوية الأردن ودوره السياسي والإنساني.
شعبياً، يتقاطع هذا الموقف مع مكانة فلسطين في الوجدان الأردني، ومع القلق المتواصل من تداعيات الحرب والانتهاكات والتهجير القسري. أما إقليمياً، فيحمل الخطاب تذكيراً بأن إدارة الصراع لا يمكن أن تستند إلى القوة وحدها، وأن استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي عادل يوسّعان دائرة عدم الاستقرار. كما يؤكد تمسك عمّان بالثوابت العربية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى موقف سياسي أكثر تماسكاً وقدرة على تحويل المواقف المعلنة إلى ضغط دبلوماسي وإنساني مؤثر.
البرلمان والحكومة.. من الرسائل إلى المساءلة
في الشأن الداخلي، وجّه الملك رسالة واضحة إلى مجلس الأمة بأن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي، مؤكداً أن الأردنيين لا يقيمون المؤسسة البرلمانية من خلال القوانين التي تصدر عنها فقط، بل أيضاً من خلال السلوك والخطاب تحت القبة. وهي إشارة تتجاوز التوصيف الدستوري إلى مطلب سياسي وشعبي: أن يشعر المواطن بأن البرلمان يمثله فعلاً، وأن الرقابة ليست إجراء شكلياً، وأن الخلاف السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة حين تبقى المصلحة الوطنية هي البوصلة.
وتتوقف فاعلية هذه الرسالة على قدرة النواب والأعيان على تحويلها إلى ممارسة ملموسة، عبر نقاش جاد للموازنات والسياسات العامة، ومتابعة الخدمات، ومساءلة الحكومة عن النتائج لا الوعود وحدها. كما أن تعزيز الثقة بالمؤسسات يحتاج إلى خطاب عام مسؤول، وإلى مساحة تسمح بالنقد والمساءلة من دون تخوين أو إساءة، وهو ما ينسجم مع تأكيد الملك أن التداول في الشأن العام حق دستوري وأن الرأي المخلص والمسؤول مرحب به.
الاقتصاد والمياه.. اختبار المصداقية اليومية
أعاد الخطاب وضع المواطن في مركز تعريف التنمية، من خلال التأكيد أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، وأن التنمية الحقيقية هي التي يلمس أثرها في المعيشة وفرص العمل والتعليم والعلاج ومستقبل الأبناء. كما دعا الملك الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحديث الاقتصادي. وهنا ينتقل الخطاب من تحديد الاتجاه إلى اختبار التنفيذ: فالمواطن سيقيس جدية السياسات بقدرتها على توفير فرص حقيقية، وتحسين الخدمات، وتخفيف الأعباء، لا بحجم المشاريع المعلنة أو لغة الخطط.
وكان تكرار عبارة «المياه، المياه، المياه» من أكثر إشارات الخطاب مباشرة، إذ وصف الأمن المائي بأنه أولوية وطنية لا مجال للمساومة فيها، ودعا إلى مواصلة المشاريع ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وحقوق الأجيال المقبلة. وفي بلد يواجه تحديات مائية مزمنة، لا يُختزل هذا الملف في البنية التحتية وحدها؛ بل يرتبط بالتخطيط طويل الأمد، والحوكمة الرشيدة، وتقليل الفاقد، والعدالة في التوزيع، ووضوح المعلومات حول المشاريع وكلفتها ومواعيد إنجازها.
سيادة القانون ومكافحة إساءة استخدام المنصب
أكد الملك أن الوظيفة العامة مسؤولية وخدمة، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً. وهذه الرسالة تحمل دلالة سياسية وشعبية مهمة، لأن الثقة بالدولة ترتبط بمدى شعور الناس بأن قواعد المساءلة تطبق على الجميع، وأن النفوذ لا يتحول إلى امتياز خارج الرقابة. غير أن الأثر الفعلي لهذا التأكيد يتطلب إجراءات مؤسسية مستمرة، ومعايير واضحة، وإعلان نتائج التحقيقات والمساءلة ضمن الأطر القانونية، حتى لا تبقى مكافحة الفساد شعاراً يتكرر في الخطاب العام.
التداعيات على الأردن والمنطقة
على المستوى الأردني، يرسم الخطاب أولويات مترابطة: حماية الأمن والاستقرار، والحفاظ على التماسك الداخلي، وتسريع التحديث الاقتصادي، وتأمين المياه، وإعادة الاعتبار لدور البرلمان والرقابة وسيادة القانون. ويمنح هذا الترابط الدولة إطاراً سياسياً لإدارة مرحلة شديدة التعقيد، لكنه يضع في المقابل مسؤولية كبيرة على الحكومة ومجلس الأمة: تحويل التوجيهات إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس، وجداول زمنية واضحة، ونتائج يلمسها المواطن.
أما إقليمياً، فيؤكد الخطاب أن الأردن يريد الحفاظ على دوره كدولة محورية تدافع عن مصالحها وعن القضية الفلسطينية، وتتمسك بهويتها العربية، وتدعو إلى الاستقرار من دون التخلي عن الحقوق. وفي ظل استمرار الأزمة الإنسانية في غزة والتوترات في الضفة الغربية والقدس، ستظل عمّان أمام معادلة دقيقة تجمع بين حماية مصالحها الوطنية، وتكثيف التحرك الدبلوماسي، والاستجابة للضغوط الإنسانية والسياسية المتزايدة. وقد تتأثر قدرة الأردن على الحركة بهدوء الإقليم أو تصعيده، وبمدى استجابة القوى الدولية لمتطلبات وقف الانتهاكات وفتح أفق سياسي جاد.
بين الرسالة والتنفيذ
تكمن قوة خطاب العرش في جمعه بين الأمن والسياسة والاقتصاد والحقوق، وفي مخاطبته المؤسسات والمواطنين معاً. لكنه، مثل أي خطاب سياسي جامع، سيُقاس بما يليه: هل تتسارع المشاريع الاقتصادية؟ هل يتحسن الوصول إلى المياه والخدمات؟ هل يمارس البرلمان رقابته بفاعلية؟ وهل يشعر المواطن أن القانون يطبق بعدالة وأن رأيه المسؤول جزء من الحياة العامة؟
في المحصلة، يضع الملك عبدالله الثاني أمام الأردن معادلة واضحة: دولة قوية بأمنها، متماسكة بمجتمعها، عادلة بقانونها، وقادرة على حماية مصالحها ومساندة القضايا العربية وفي مقدمتها فلسطين. أما التحدي الأكبر، فيبقى في ترجمة هذه الرسائل إلى نتائج ملموسة، لأن الثقة لا يصنعها الخطاب وحده، بل يعززها الأداء حين يلمس الناس أثره في حياتهم اليومية.
خطاب العرش الأردني: أمن الدولة وكرامة المواطن في قلب معادلة الإقليم
36