الدكتور عبد الله الحميدي الزعبي
سالت الكرك في عروقي نغماً منذ أربعين عاماً، منذ لحظة اللقاء الأول في بطن الأيام وزهرة العمر. جلس طيف الكرك في خيالي فنثر عطراً في مرابع الروح، وسكنت القلعة في أعماقي حتى تعلمت منها معاني الصبر والشموخ. جبت الكرك من أسفل الوادي السحيق، من الموجب حين يختبر المنايا، واطلالة شيحان البهية إلى ابن حماد، وادي السيق والخضراء وشلالات هورا الرقيقة، وعين سارة مع سفينة نوح، وسكينة الشهابية وعين العراق المنصوبة أو المرفوعة إذ لا تقبل الجر أو الكسر، إلى ألق مؤاب التي تحتضن الشهادة ومؤتة التي تزرع بذور المنعة في أرجاء المهد والحمى، وصوب ذات رأس حين ترقب سيل الحسا يمسح دموع الفلا ويفيض في النقع والعينا.
رتب الزمن أقداري حتى مكثت في تلافيف النفس ملحمة من قصص جادت بها الكرك، كل قصة تقطن في زاوية ارتضتها الروح وأودعتها ركناً من أركان الرجولة. ولعل الوفاء ذات يوم ينطق، أو ترقص الشجاعة على أنغام الكرم، أو يفوح عبق الصدق مع الندى وتزهر أوراق الشهامة، حينها ستخبرني تلك القصص أن الكرك موطن العز وعرين الكرامة، وأن النخوة ثياب أهلها والمروءة زادهم، وأنها ولدت شطر الخلق ومكارم تسمع حفيفها مع صدى التاريخ وأيام العرب.
ثلاثة عشر عاماً في أكناف الكرك أسبغت خيراً على جنبات العمر حتى غدت سبباً للحياة وقنديلاً للروح. واليوم، تنثر الكرك الذكرى في حنايا السنين، ويطوي القلب حزن البعد في جوانحه، كأنها استأثرت فيه بكل مساحة الحنين. أودعت الكرك سرها العاطر في كل تفاصيل يومي، في رفيقة دربي وشريكة حياتي، وفي سرائر أبنائي، ثم فاض حبها في جنباتي حتى امتزج بعضي وكلي في دم أحفادي، وكأن الكرك أورثتهم نبضها ليظل حبها موصولاً في عروقي، ووطناً ممتداً في قلبي، وذرية أسرتني، وذكرى لا يطويها الزمن.
الكرك حكاية العمر والحنين
17
المقالة السابقة