25
الدكتور عبد الله الزعبي
تمثل الآية الكريمة من سورة طه، (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا)، حكمة بالغة في تهذيب النفس وضبط نظرتها إلى ما في أيدي الناس، فهي لا تنهى عن النظر المجرد، بقدر ما تحذر من ذلك التطلع الطويل الذي يبدأ مقارنة، ثم يتحول شيئاً فشيئاً إلى ضيق بما أوتي الآخرون. هناك يبدأ القلب بفقدان رضاه، وتتوارى زهرة القناعة خلف ظلال الطمع، حتى يصبح فضل الله على الآخرين سبباً للحزن بدلاً من أن يكون موضعاً للشكر. والحسد قديم قدم الإنسان؛ أطل في استكبار إبليس على آدم، ثم سال دماً في قصة ابني آدم، وعاد متخفياً في صدور إخوة يوسف حين ضاقوا بما أحاطه به أبوهم من محبة. والحسد من تلك الآفات التي تبدأ صغيرة في أعماق النفس، ثم تأخذ في التهام صاحبها قبل أن تبلغ من يحسده؛ تعكر صفوه، وتفسد مودته، وتجعله عاجزاً عن الفرح بما عنده ما دام بصره معلقاً بما عند غيره.
وحين تضيع بوصلة الرضا، يبدأ الإنسان بالنظر إلى الحياة كأنها مائدة محدودة المقاعد؛ إذا تقدم غيره خطوة شعر أنه تراجع خطوة، وإذا أضاء نجم سواه خشي أن يخفت ضوؤه. تلك ذهنية المجموع الصفري في أبسط صورها أن يتوهم المرء أن نجاح الآخر انتقاص من نصيبه، ومن هذا الوهم تنشأ ما تعرف بـ«متلازمة الخشخاش العالي»؛ تلك النزعة التي تضيق بكل قامة ترتفع، فتسعى إلى تقصيرها بدلاً من أن ترتفع إلى جوارها. وقد كشفت تجارب سلوكية حديثة أجراها الباحثان دانييل زيزو وأندرو أوزوالد في جامعة أوكسفورد جانباً لافتاً من هذه الطبيعة البشرية؛ فقد أبدى نحو ثلثي المشاركين استعداداً لخسارة شيء من أموالهم؛ يصل إلى الربع، إذا كان في ذلك ما يخفض مكاسب من كانوا أوفر حظاً منهم. والمفارقة هنا موجعة؛ فالإنسان قد يرضى أحياناً أن يخسر، ما دام الآخر سيخسر أكثر، وكأن وجع النقص يهدأ حين يتمكن من إنزال الآخرين إلى المستوى الذي يتصوره لنفسه.
وعندما يتحول الحسد من نزوة عابرة إلى مناخ يحيط بالإنسان، يصبح الابتعاد أحياناً نوعاً من صيانة النفس، عندها يكتسب بيت الشعر المتداول، إني هجرت دياراً لا وقار بها… والحر يرحل إن هانت منازله، معنى أبعد من مجرد الرحيل؛ فالمرء لا يغادر المكان دائماً لأنه عجز عن احتماله، بل لأنه يرفض أن يقيم حيث يصبح النجاح تهمة، والتفوق سبباً للريبة، وكرامة الإنسان ثمناً لإرضاء نفوس أرهقها النظر إلى ما عند الآخرين. ويمضي المرء تاركاً وراءه ذكرى وقربى وصحبة أظلمت مودتها وتحولت إلى ضيق مكتوم، مردداً، أغلقت باباً لهم من دون مندمة… فالبعد خير لمن طابت شمائله. وهكذا، يلتقي هدي السماء بخبرة الإنسان، غض الطرف عن زينة الفناء، والرضا بما قسم الله، والابتعاد عن مواطن الغل ليست مواقف متفرقة، بل وجوه لحكمة واحدة؛ أن يحفظ الإنسان قلبه من أن يصبح أسيراً للمقارنة، وأن يمضي في طريقه مطمئناً بما لديه، قادراً على أن يفرح بالنور، حتى حين يشرق من نافذة سواه