د. عمر الرداد
لم تعد المعادلة السياسية في الأردن كما كانت قبل سنوات؛ فالمواطن الذي كان ينتظر جلسة لمجلس النواب أو تصريحاً لنائب، بات قادراً اليوم على صناعة قضية عامة خلال دقائق، وتحويلها إلى موضوع يتصدر النقاش الوطني ويدفع الحكومة إلى التوضيح أو التراجع أو إعادة النظر. والمشكلة ليست في وجود وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في تحولها تدريجياً من أداة للتعبير والمراقبة إلى مرجعية مؤثرة في صناعة القرار، بما يعكس تحولاً عميقاً في مفهوم التمثيل السياسي.
تقليدياً، كان مجلس النواب القناة الأساسية التي ينتقل عبرها صوت المواطن إلى الحكومة، من خلال النواب الذين ينقلون المطالب ويناقشون القوانين ويمارسون الرقابة. أما اليوم، فأصبح المواطن قادراً على تجاوز هذه القناة عبر منشور أو وسم أو مقطع فيديو قد يتحول خلال ساعات إلى قضية عامة، وهو تحدٍ حقيقي أمام مجلس النواب الذي ما زال يمتلك السلطة الدستورية، لكنه قد يفقد جزءاً من تأثيره السياسي إذا أصبح النقاش العام يجري خارجه.
وتزداد خطورة الأمر لأن وسائل التواصل لا تعمل وفق قواعد التمثيل الديمقراطي؛ فالأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر أهمية، والأغلبية الرقمية لا تمثل بالضرورة أغلبية المجتمع، كما أن الخوارزميات تدفع غالباً بالقضايا المثيرة للغضب والجدل إلى الواجهة، ما قد يدفع الحكومات إلى الاستجابة للضغوط الرقمية بدلاً من القرارات المبنية على دراسة المصلحة العامة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل المنصات الرقمية، فهي مصدر مهم لفهم اتجاهات المجتمع ورصد القضايا الناشئة. لكن هناك فرقاً بين الاستماع إلى المجتمع الرقمي وتركه يحدد القرار.
لذلك، فإن التحدي أمام مجلس النواب ليس منافسة «السوشال ميديا» في سرعتها، بل التفوق عليها في التشريع الرشيد، والتحقيق، والمساءلة، والخبرة، والتمثيل الحقيقي. فالمستقبل ليس لإلغاء البرلمان، وإنما لإعادة تعريف دوره؛ بحيث يتحول فيه الغضب الشعبي إلى نقاش، والمطالب إلى سياسات، والشكوى إلى تشريع، والضغط العام إلى قرار مسؤول.