محمود احمد مقداد مياس
تشهد الساحة الفكرية والإعلامية في هذه الأيام موجةً من الطروحات السطحية، أو ما يمكن وصفه بـ “تصفيط الكلام”، التي تتجاوز نقد أفكار بعينها لتستهدف أصل فكرة الدين، متوسلةً بأساليب الاختزال والشحن المعنوي، ومستغلةً بأسلوب رخيص حالة التجاذب الفكري والسياسي التي تمر بها المجتمعات.
وتتجلى خطورة هذا الطرح في ممارسة استقطاب حادّ يسعى لتقسيم المجتمع وتصنيفه عبر استخدام مصطلحات الإيمان والكفر؛ تارةً للسخرية والاستخفاف بعقول المتلقين، وتارةً أخرى للتخوين والتحريض وتارة للسخرية من الدين.
يعتبر هذا مغالطة في التصنيف وتزييف الواقع.
تسعى هذه الأصوات الناشطة إلى ممارسة تضليل إعلامي مفضوح؛ إذ تسلط الضوء على نموذج “المنتسب للفكر الإسلامي الذي أخطأ أو خان أو سرق أو قصر” لتقارنه بنموذج “المخالف فكرياً الذي صمد أو أخلص وطنياً”، متخذة من ذلك ذريعة للطعن في أصل الدين ومحاولة إثبات أن الإيمان لا ينتج فضيلة، وأن الالتزام الفكري وبالٌ على المجتمعات.
إن هذا المسلك يمثل تسطيحاً مجحفا للأحداث والمفاهيم وتزييفاً صريحاً للواقع؛ فالتاريخ شواهده حاضرة، وقد شهد قيادات وزعماء مسلمين اتخذوا في مراحل معينة مسارات وتوجهات فكرية أو سياسية قومية أو يسارية أو ليبرالية، وواجهوا بسببها انتقادات حادة من التيارات الدينية التي وصفت تلك الأفعال والتوجهات بالانحراف أو المخالفة لأحكام الشريعة، ومع ذلك، لم يصدر عن مؤسسة علمية أو تيار إسلامي معتبر قرارٌ بتكفير أولئك الأشخاص بأعيانهم أو إخراجهم من الملة، لاقتناع جازم بأن نقد التوجه والفعل شيء، وإطلاق حكم الكفر على الفاعل شيء آخر تماماً.
الأبعاد والآثار المجتمعية
إن إقحام المصطلحات الإيمانية في تقييم السلوكيات المدنية أو الإنجازات الوطنية يتضمن آثاراً تدميرية تتمثل في:
تهديد السلم الأهلي: عزل الخطاب عن مقومات البناء الحضاري، وإشعال الفتن الداخلية التي تعطل التنمية والنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي.
الجهل الفكري : هذا السلوك إما أن يكون ناتجاً عن تحريك خارجي ومأجور يهدف لتفكيك النسيج الوطني من الداخل بأيدٍ تحمل أسماءنا وتعيش بيننا، أو نتيجة انسياق عاطفي غير واعٍ بحسن نية وراء شعارات براقة دون إدراك لآثارها بعيدة المدى.
الضوابط الشرعية والمؤسسية
إن الفكر الإسلامي المؤسسي، وبعيداً عن الاستغلال الحزبي أو الأيدولوجي، يضع أصولاً صارمة تمنع الفوضى والتغول:
حصرية الاختصاص القضائي: إن التكفير أو التفسيق ليس “وصفة تخصصية” يملك أي فرد أو كاتب أو واعظ توزيعها على المخالفين وفق أهوائه؛ بل هو حكم شرعي وإجراء قضائي مناط حصراً بالجهات الدينية الرسمية والمحاكم المختصة تحت مظلة ولاية الأمر والقانون الناظم للمجتمع.
إن الصدق، والأمانة، والصمود، والوطنية صفات محمودة بذاتها، والخيانة والسرقة والتقصير رذائل مذمومة بذاتها، بصرف النظر عن التصنيف الفكري لفاعلهم. فالعدل يقتضي إدانة الفعل الفاسد ممن صدر، وتقدير الموقف الوطني ممن اتصف به، دون متاجرة بالدين أو سخرية من عقائد الناس.
إننا لسنا بحاجة لتصنيف أنفسنا أو تقييم إيمان الآخرين في مجريات الحياة اليومية؛ احترام المرجعيات المؤسسية وسيادة القانون هو السبيل الوحيد لقطع الطريق على الأدعياء، وحفظ الأمن الوطني والمجتمعي، وتحقيق النمو الفكري والنفسي السليم.د، ونهضة الوطن دولة ومجتمعا بابنائه جميعا.