م. محمد النجداوي
لم يعد الزمن مجرد عنصر في تقديم الخدمة البلدية، بل أصبح أحد أهم مؤشرات كفاءة الدولة وقدرتها على جذب الاستثمار. ففي عالم تتنافس فيه المدن قبل الدول، تُقاس جودة الإدارة بقدرتها على تبسيط الإجراءات، وتسريع الإنجاز، وتحويل الخدمة من عبء إداري إلى قيمة تدعم التنمية.
وأثناء عملي في الشأن البلدي، أدركت أن أكثر ما يترك أثرًا لدى المواطن والمستثمر ليس عدد الخدمات المتاحة، بل سهولة الحصول عليها وسرعة إنجازها. فالتجربة العملية هي التي تصنع الثقة، لا الشعارات ولا كثرة المنصات.
ولهذا لم تعد سرعة إنجاز المعاملات البلدية ترفًا إداريًا، بل غدت معيارًا لفاعلية المؤسسات، وأحد المؤشرات الرئيسة على جاهزية البيئة الاستثمارية. فالبلديات، وفي مقدمتها أمانة عمّان الكبرى، ليست مجرد جهات تقدم خدمات يومية، بل هي الواجهة الأولى التي يلتقي بها المستثمر، ومنها تتشكل انطباعاته الأولى عن كفاءة الإدارة العامة في الأردن.
ويُخطئ من يظن أن نجاح التحول الرقمي يُقاس بعدد المنصات أو التطبيقات التي يتم إطلاقها. فالمعيار الحقيقي هو قدرة هذه الأنظمة على اختصار رحلة المتعامل، وتقليص مراحل الإنجاز، وتقديم خدمة واضحة وموثوقة بأقل جهد ممكن. ولا يعني المواطن أو المستثمر كيف بُني النظام أو بأي لغة تمت برمجته؛ ما يعنيه أن تُنجز معاملته بسهولة، ومن دون تعقيد أو انتظار.
لكن التجربة تؤكد أن نقل المعاملة الورقية إلى شاشة إلكترونية لا يصنع تحولًا رقميًا حقيقيًا. فالبيروقراطية لا تتغير بتغير الوسيلة، وإنما تتغير عندما يُعاد النظر في الإجراءات نفسها. ومن هنا تبدأ الرقمنة الفاعلة بإعادة هندسة العمليات، وإلغاء الخطوات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة بدلاً من إعادة ابتكار حلول أثبتت كفاءتها.
وتقدم سنغافورة مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ لم يكن نجاحها نتيجة إطلاق مزيد من المنصات، بل ثمرة إعادة تصميم الإجراءات وربط الخدمات الحكومية بصورة متكاملة، بما أسهم في تقليص مدد الإنجاز وتعزيز تنافسية بيئة الأعمال. فالأنظمة وحدها لا تصنع التميز، وإنما تصنعه الإجراءات الذكية.
ومن زاوية اقتصادية، فإن تسريع التحول الرقمي في البلديات يتجاوز كونه مشروعًا تقنيًا؛ فهو استثمار مباشر في تحسين بيئة الأعمال. فكل تأخير في إصدار رخصة، أو اعتماد مخطط، أو إنجاز معاملة، قد يؤجل قرارًا استثماريًا، أو يرفع كلفة مشروع، أو يدفع مستثمرًا إلى البحث عن بيئة أكثر كفاءة واستجابة.
ويمتلك الأردن من الكفاءات والخبرات ما يؤهله لبناء إدارة محلية حديثة. ويبقى التحدي في أن يكون الهدف تبسيط حياة المواطن، لا إعادة إنتاج التعقيد بأدوات جديدة، وأن يُقاس النجاح بما يلمسه متلقي الخدمة، لا بعدد الأنظمة التي أُطلقت أو حجم الإنفاق عليها.
ولعل المعادلة التي ينبغي أن تبقى حاضرة أمام كل مؤسسة خدمية هي:
«كل دقيقة نوفرها في إنجاز معاملة بلدية، نضيفها إلى رصيد الأردن التنافسي في جذب الاستثمار، ونمنح المواطن سببًا جديدًا للثقة بمؤسسات دولته.»
فالإدارة الحديثة تُعرف بأثرها في حياة الناس قبل أي شيء آخر. وكل إجراء يُختصر، وكل معاملة تُنجز بكفاءة، يمثل خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر تنافسية، ودولة أكثر قدرة على كسب ثقة مواطنيها ومستثمريها.