بقلم الاستاذ عيسى الشبول أبو حمزة
ونحن صغار كان نمط الحياة يختلف تماما، كُنّا نقضي معظم ساعات النهار على البيادر وفي الشوارع، كان وادي القطّارة وجهة مُهمّة للاستجمام والبرنامج اليومي متشابهاً الى حدٍّ كبير، يبدأ يومنا كالمعتاد ونتجمّع في نهاية الشارع عند المقبرة الغربية حيث المكان الرئيسي لالتقاء أولاد الحارة، أحياناً نلعب (فطبول أو طِجّة أو دواحل)، في نهاية الاسبوع كان موعد الحَمّام، أذكر أنَّ أسوأ لحظات حياتي في تلك الأيام عندما كانت تناديني أمي(رحمها الله) من أجل الحَمّام، كنت أعتقد أنَّ هذا الحَمّام نوعاً من العقوبة تُمارس ضدّي مع سبق الاصرار والترصّد، تبدأ أمي بالتوطئة لهذا الحمام وتقول: يالله يمّا هاي المي ساخنة لا تفل، ترى بدّي أحممك، كانت هذه الجملة تبعث في نفسي الاكتئاب، وكنت فعلا أحمل همْ هذا الحمّام، كنت انهزم من الدار بمجرّد رؤيتي لسخّان الماء الرابض على الببور الأصفر، كنت أحوم حول الدار وأقول: والله لو تموتي ما بتحمم😆، تبدأ أمي بتقديم بعض العروض على أساس اني أسلّمها نفسي، كانت تقول لي: تعال احممك عشان اليوم اوخذك معي عدار خوالك، أسمع هذا العرض فأجد أنّه عرضاً لا بأس به، فأقول لها: لا هسع بتجرحي رقبتي من الليفة، بصراحة هذه الليفة بحد ذاتها مُصيبة، كانت مصنوعة من نبات الليف الخشن، كانت قاسية وتجرح الجلد، كنت أكره هذه الليفة وما زلت، أصلا سبب كُرهي للحمّام هذه الليفة، كانت أمي تُعيد نفس الجملة: يعني ما بدكيش تتحمم خلص اني اليوم بروح أتعلل بدار خوالك، والله ما بوخذك معي!!، كنت أخاف من هذا التهديد وأسلّمها نفسي بكل هدوء، لكنني مقهور من هذا الحمّام وأقول لها: بس ما بدّيش الليفة، فتقول: انت لازمك نقع، أقعد أقعد، فأجلس على الكرسي الخشبي الصغير، وعينيّْ تُحدّقان بالليفة، وأنا جالس كنت أحس بالظلم، لكن لا مفرْ، كانت الغُرفة الغربيّة لها مصرف لتصريف المياه، والمشهد ما زلت أذكره تماما حيث صوت الببور هو المسيطر على الجو العام وفوقه سخان الماء والبخار يتصاعد في جميع أنحاء الغرفة، ووعاء فيه الليفة وصابونة المفتاحين البيضاء، تبدأ مراسم الحمّام بغسيل الرأس وكانت أمي تلوب بصابونة المفتاحين على رأسي وكان يدخل هذا الصابون في عينيّْ فأبدأ بالبكاء والصراخ ويستمر البكاء حتى نهاية الحمّام وقد أخذت الليفة من جلدي مأخذاً عظيماً، كانت أمي تغنّي لي على أساس أنها بهذا الغناء تهوّن عليّْ مصيبة هذا الحمّام،،كنت أضحك عندما تقترب الليفة من خاصرتيّْ، كانت تدغدغني، فيختلط البكاء مع الضحك ، لكن بصراحة كنت أطلع انسان جديد وكالة بعد هذا الحمّام
حمّام أيام زمان..
18
المقالة السابقة