بسام السلمان
منذ أن ألقى إخوة يوسف أخاهم في غياهب الجب، والبئر في الذاكرة الإنسانية ليس مجرد حفرة في الأرض، بل مكان تختبر فيه القلوب؛ فمنها خرج يوسف عليه السلام ليصنع مجدا، ومنها خرجت اليوم طفلة لا يتجاوز عمرها ثلاثة عشر عاما محمولة إلى قبرها.
في الكرك، لم يكن الذئب هو المتهم، ولم تكن القصة حيلة إخوة لإخفاء فعلتهم، بل كان الحسد نفسه هو الذئب الحقيقي. غيرة سوداء تسللت إلى قلب أخ، فأطفأت براءة أخت، ودفعها إلى بئر الماء، ثم حاول أن يجعل المأساة تبدو حادثا عابرا.
يا لقسوة قلب يشاهد روح شقيقته تغادر جسدها ولا تهتز فيه ذرة رحمة، كأن التاريخ يعيد نفسه، فالحسد قديم، بدأ منذ ابني آدم، وامتد عبر العصور، لكنه لا يزال يحصد الأرواح كلما غاب الإيمان واستيقظت الأحقاد.
قصة يوسف عليه السلام انتهت بالعفو ولمّ الشمل، لأن الله أراد أن يجعل من الجب طريقا إلى النور. أما هذه الطفلة، فلم يكن لها قميص يفضح الحقيقة، ولا قافلة تنتشلها من البئر، بل كان عدل الله هو الذي كشف المستور، وأظهر أن الجريمة لا يستطيع الماء أن يغسلها، ولا الزمن أن يخفيها.
رحم الله الطفلة البريئة، وألهم أهلها الصبر، وليكن هذا الحادث المؤلم تذكرة لكل أب وأم بأن الحسد إذا تُرك ينمو داخل البيت، فقد يحول الأخ إلى خصم، والبيت إلى مأساة، والبئر إلى شاهد على جريمة لا ينساها التاريخ.