41
لماذا حال الامة في فرقه وضعف
طرح فكري تحليلي، يربط بين واقع الأمة وبين الخلل في المنهجية الذهنية والروحية:
( بقلم: حسن قاسم خويلة )
منذ مئات السنين، والأمة تمر بحالة من التشظي والضعف لا تليق بأمة أخرجت للناس. وحين يُطرح السؤال الجوهري: “لماذا نحن في ذيل القافلة رغم وعود النصر؟”، تنهال الإجابات المعلبة التي تُلقي باللوم على “عدم اتباع الدين بشكل صحيح”. لكن المفارقة تكمن في أن القائلين بهذا العذر هم أنفسهم من يعتقدون أنهم على الحق المطلق، مكتفين بتراتيل وعبادات شكلية تمنحهم شعوراً زائفاً بـ “كمال الإيمان” ولكنهم في حقيقتهم في ضلال
ما هو الضلال: هو غياب المقياس وضياع البوصلة
إن العلة الحقيقية تكمن في حالة “الغفلة” التي أدت إلى “الضلال”. والضلال في جوهره ليس مجرد خطأ عابر، بل هو فقدان للاتجاه بسبب غياب المقياس.
* المقياس : في الفيزياء، لا يمكن تحديد موقع أو حركة دون إطار مرجعي ثابت، وفي الفكر الديني، حين يغيب القرآن كمقياس وحيد وحاكم، وتتعدد المراجع البشرية والموروثات، يفقد الإنسان بوصلته ويصبح “ضالاً” وإن ظن أنه مهتدٍ.
لو عرضنا ما نعتقد اليوم على كلام الخالق، لاكتشفنا فجوة هائلة في ثلاثة محاور رئيسية:
1. مفهوم الألوهية: لقد استبدل الكثيرون الله (الذي وصف نفسه بكونه الصمد و قيوم السموات والأرض وخالق السنن) بـ “إله متخيل” يُطلب منه خرق القوانين الكونية لمجرد ترديد بعض الأوراد، دون الأخذ بالأسباب التي هي في الأصل عبادة وقوانين إلهية ،ووصف بصفات مخلوقاته
2. :حقيقة التدين: الدين الذي أنزله الله واتبعه الرسول ﷺ كان منهجاً للحياة وعمارة الأرض، بينما تحول في واقعنا إلى طقوس معزولة عن السلوك اليومي والإنتاج المعرفي.
3. غايات الرسالة: إن الأهداف التي عاش من أجلها الرعيل الأول، من تبليغ الرسالة بالصبر والحكمة وتحمل المسؤولية تجاه الطبيعة والبشرية، لم تعد تشكل أولوية في وعي المسلم المعاصر.
” المعجزة تبدأ من “الداخل”
إن انتظار “المعجزات” لإصلاح شأن الأمة هو نوع من العجز الفكري. فالمعجزة الحقيقية التي نحتاجها هي استعادة “الوعي” بربط قوانين الطبيعة بقوانين الأمن والسلام. الخلل يبدأ من الفرد؛ من علاقته بجاره، بصاحبه، ببيئته، وبمدى إخلاصه في تبليغ رسالة الأخلاق التي كان المصطفى ﷺ أسوة حسنة فيها.
كيف ننادي بالاستجابة ونحن لم نستجب لنداء “العقل” و”السنن”؟ إن إصلاح حال الأمة لا يمر عبر الأماني، بل عبر إعادة ضبط المقياس الداخلي لكل فرد منا، ومواجهة أنفسنا بالحقيقة المرة: أننا عبدنا أهواءنا بأسماء دينية، وتركنا الدين الذي يحيي العقول ويبني الأمم.
* الخلاصة:
إن الطريق إلى النهضة يبدأ بالاعتراف بالخطأ، لا بالتحصن خلف ادعاءات الاستقامة. فمن فقد المقياس تاه في الدروب، ومن استعاد القرآن ميزاناً لفكره وعمله، وجد الطريق الذي لا ضلال بعده.