الرمثا نت – شهدت أوساط الأطفال والمراهقين في الاتحاد السوفيتي انتشار طقوس غريبة لاستحضار الأرواح والشخصيات الأدبية، في مزيج جمع بين الخوف واللعب وفضول معرفة المجهول.
بوشكين، تسوي، يسينين، ملكة البستوني، وقزم بذيء اللسان.. ليست سوى بعض “الأرواح” التي كان أطفال الاتحاد السوفيتي يستحضرونها على سبيل اللعب والتسلية، ضمن طقوس شعبية غريبة مزجت بين الفولكلور القديم وثقافة العصر الحديث. وخلال القرن العشرين، اتخذت هذه الممارسات شكلا خاصا من “قراءة الطالع” التي انتشرت على نطاق واسع بين المراهقين.
تروي إحدى الشهادات لامرأة من ن إقليم فولوغدا (مواليد 1924)، والتي سجّلتها الباحثة أولغا نيكيتينا، قصة طريفة عن حفيدها الذي طلب منها شموعا ليقوم مع أصدقائه بـ”التحدث” إلى المغني فيكتور تسوي. وعندما سألوا “روحه” عن عمرها المتوقع، جاءهم الجواب: حتى 85 عاما، لتعلّق الجدة بأنها كانت في الثانية والثمانين آنذاك.
بحسب الدراسات الإثنوغرافية، بدأت هذه الظاهرة بالظهور في أوساط الأطفال في منتصف القرن العشرين، مع إشارات إلى جذورها في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تنتشر بشكل واسع خلال الستينيات والسبعينيات في مختلف أنحاء الاتحاد السوفيتي. وتذكر شهادات أخرى أن ما كان يُعرف بـ”استحضار العفريت” كان شائعا حتى بين أبناء العائلات الدبلوماسية والعلمية في الخارج.
وتشير إحدى المشاركات في هذه الدراسات، وتدعى آنا، إلى أن هذه الطقوس كانت جزءا من ألعاب الأطفال الجماعية التي جمعت جنسيات مختلفة، لكنها توحدت جميعها عبر اللغة الروسية، إضافة إلى القصص المخيفة وروح الدعابة السوداء التي كانت ترافقهم.
ما هي “الأرواح” التي كانت تُستحضر؟
ربما ظهرت “الاستحضارات” بين السوفييت كرد فعل على حظر البلاشفة للممارسات “الصوفية” التقليدية. ففي نظر الحزب الحاكم في الاتحاد السوفيتي، كان من المفترض أن تصبح قراءة الطالع خلال عيد سفياتكي في الشتاء وليلة إيفان كوبالا في الصيف من مخلفات الماضي، تماما كطقوس الكنيسة الأرثوذكسية. لكن بدلا من ذلك، ظهرت الاستحضارات بين المراهقين السوفييت. وكثيرا ما كان الأطفال يشيرون إلى هذه الممارسة بـ”قراءة الطالع”، مستخدمين المصطلحين بشكل مترادف.
الإبرة والورقة: تُرسم دائرة تحتوي على حروف وأرقام وكلمتي “نعم” و”لا”، وتُوضع إبرة معلقة بخيط في المركز، ثم يُطلب من “الروح” تحريكها للإجابة عن الأسئلة.
الصحن الدوّار: تُستخدم دائرة مشابهة، ويوضع صحن صغير يتحرك بين الحروف والأرقام عند وضع الأصابع عليه، وهي طريقة قريبة من جلسات تحضير الأرواح المعروفة في الثقافة الغربية.
الحلوى أو “الطعام الطقسي”: حيث كان الأطفال يضعون قطعة حلوى أو شوكولاتة كـ”قربان” للروح، ويعتقدون أن نوع ظهور الكائن (خير أو شر) يرتبط بلون الحلوى أو طبيعة الاستجابة.
لماذا كان الأطفال يفعلون ذلك؟
لم تكن هذه الممارسات مجرد ألعاب مخيفة، بل شكلا من أشكال الفضول الطفولي المرتبط بالمستقبل والعالم غير المرئي. بالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاما، كانت التجربة تمزج بين الخوف والمتعة ومحاولة معرفة ما قد يحدث في المستقبل.
كما كانت بعض هذه الطقوس تُمارس بشكل جماعي، حيث يتبادل الأطفال التأثير فيما بينهم، في أجواء تجمع بين التصديق واللعب الواعي، إذ كان بعضهم يدرك أن الأمر مجرد لعبة، بينما ينجح آخرون في إقناع زملائهم بواقعية التجربة.
وتشير إحدى الشهادات إلى طقوس “استحضار الجني”، حيث كان الأطفال يفتحون صنبور الماء في الظلام لإيهام الآخرين بحدوث ظواهر خارقة، مما كان يؤدي أحيانا إلى ردود فعل خوف حقيقية.
ومع مرور الوقت، ومع تكرار المحاولات الفاشلة، بدأ كثير من الأطفال يدركون الطابع التخيلي لهذه الطقوس، لكن بعض أشكالها بقيت حاضرة في ثقافات أخرى، مثل لعبة الويجا في المجتمعات الناطقة بالإنجليزية.