بسام السلمان
في عام 2013، كتبت فتاة تُدعى نور على صفحتها في الفيس بوك “أهلي في درعا… أستودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع… ربي يحميكو ويجمعني فيكو عن قريب… اشتقتلكوووووو.”
ثلاث عشرة سنة، والعالم تغيّر مرات كثيرة، إلا قلب السوري بقي واقفا عند اللحظة الأولى، لحظة الوداع.
لا أحد يعرف أين ذهبت نور بعد ذلك المنشور. هل حملتها الطرق إلى خيمة في الشمال؟ أم إلى شقة باردة في المنفى؟ هل تزوّجت؟ هل كبرت؟ هل ما زالت تخاف من صوت الألعاب النارية لأنها تشبه القصف؟ وهل عادت إلى درعا كما كانت تدعو الله كل ليلة؟
وإن عادت فبمن التقت؟ هل وجدت البيت الذي كانت تعرفه؟ أم وجدت جدرانا مدمرة تتذكّر أسماء الراحلين أكثر مما تتذكّر أصحابها؟ هل بقيت شجرة التين أمام الباب؟ هل بقيت رائحة الخبز في الصباح؟ هل بقيت الضحكات التي كانت تملأ الحارات قبل أن يتحوّل الأطفال إلى صور معلّقة على الجدران؟
لم تكن درعا مجرّد مدينة في نشرات الأخبار. كانت أما سورية تفتح نافذتها كل صباح وتنتظر أبناءها. كانت حقول قمح، وأصوات مدارس، وباعة ياسمين، ومساءات بسيطة لا تعرف السياسة ولا الدم.
ثم فجأة، أصبحت اسما ثقيلا على نشرات العالم، بينما بقي أهلها وحدهم يدفعون الفاتورة كاملة.
ربما عادت نور إلى درعا. وربما وقفت أمام بيتها بصمت طويل، ثم بكت لأنها لم تجد سوى الذكريات. وربما اكتشفت أن المدن أيضا تموت من الحنين.
وحدها الرسائل القديمة تبقى شاهدة على الحقيقة. منشور صغير كتبته فتاة خائفة عام 2013، كان أصدق من آلاف الخطب السياسية، لأن الكلمات الخارجة من قلب المرتجفين لا تكذب.
وداعا درعا، يا مدينةً تعبت من الوداع، ومن انتظار العائدين. ويا كل نور سورية ما زالت تحمل مفتاح البيت في حقيبتها، وتؤمن أن الطريق إلى الوطن مهما طال. لا بد أن يعود يوما.