م. عبدالفتاح الدرادكة
لم تعد «الفاردة» مجرد مظهر من مظاهر الفرح بالتخرج، بل تحولت في كثير من الحالات إلى بلطجة اجتماعية تمارس على الطرق العامة، وعلى حساب حق الناس في المرور الآمن.
قبل أيام، كنت في رحلة من إربد إلى السلط للمشاركة في عزاء أحد الأصدقاء. رحلة يفترض أن تستغرق قرابة ساعة، لكنها امتدت إلى أكثر من ساعتين، والسبب مواكب تخريج او اعراس انتشرت على الطريق. عشرات السيارات تسير ببطء، وتغلق مسارب الطريق أو تعيقها، وتجبر بقية السائقين على السير خلفها وفق الإيقاع الذي يحدده أصحاب الموكب.
المشهد لم يكن مجرد ازدحام؛ كان استعراضًا مفتوحًا للمخالفات. أشخاص يخرجون من نوافذ السيارات، وآخرون من فتحاتها، وأطفال في الصناديق الخلفية لبعض مركبات البيك أب، وحركات استعراضية وتوقفات مفاجئة، وكل ذلك على طريق عام يفترض أن يكون آمنًا ومنظمًا.
وهنا أسأل بصراحة: أين تطبيق القانون الذي ينص صراحة على تغليظ العقوبات على المشاركين في المواكب ؟
لقد أصبحنا نعيش ظاهرة غريبة: بعض الناس لا يكتفون بممارسة فرحتهم، بل يريدون فرضها على الآخرين. لا يعنيهم أن خلفهم مئات السيارات، ولا يعنيهم أن بينهم مريضًا، أو مسافرًا مستعجلًا، أو شخصًا ذاهبًا إلى عزاء، أو إنسانًا يمر بظرف لا يحتمل معه مشاهدة هذه المظاهر.
الحرية ليست أن تفعل ما تشاء في الشارع، والفرح ليس رخصة لمخالفة القانون.
والأكثر إثارة للاستغراب أن المواطن العادي قد يتعرض للمساءلة والكفالة والعقوبة بسبب مخالفة مرتبطة بموكب، بينما نشاهد مواكب كاملة ترتكب المخالفات أمام أعين الجميع وكأنها فوق القانون. فإذا كان القانون واحدًا على الجميع، فلماذا لا نرى تطبيقه على هذه المواكب؟
المشكلة اليوم ليست في «الفاردة» وحدها، وإنما في ثقافة بدأت تترسخ: التفاخر بمخالفة القانون، والاستعراض، واعتبار تعطيل الناس نوعًا من الوجاهة والفرح.
أقترح إنشاء مضمار أو ساحة استعراض آمنة في كل محافظة، أو على الأقل في المدن الكبرى، شبيهة بمضامير سباقات السيارات، تكون مجهزة ومراقبة وفيها مدرجات لمن يهوى مشاهدة استعراض الفاردات سواء للنجاح او الاعراس، وتسمح لمن يريد الاستعراض بالاحتفال ضمن بيئة آمنة ومنظمة، بعيدًا عن الطرق العامة.
من يريد أن يطلق أبواق السيارات، أو يستعرض بموكبه، أو يحتفل بطريقة صاخبة، فليذهب إلى المكان المخصص لذلك. أما الشوارع، فهي ليست حلبة سباق ولا ساحة احتفال خاصة.
هذا الحل يمكن أن يحول ظاهرة مزعجة وخطرة إلى نشاط منظم، ويشبع رغبة محبي الاستعراض، وفي الوقت نفسه يحمي الأرواح ويمنع إغلاق الطرق ويحد من الحوادث والمشاجرات التي قد تنتج عن الاحتكاك بين أصحاب المواكب ومستخدمي الطريق.
نحن بحاجة إلى سياسة رسمية واضحة وحازمة: تنظيم المواكب، تحديد أماكنها، منع المخالفات الخطرة، ومحاسبة كل من يعرض حياة الآخرين للخطر، دون استثناء أو مجاملة.
فالتخرج مناسبة عظيمة، والفرح حق، لكن لا أحد يملك الحق في أن يجعل فرحته معاناة للآخرين.
آن الأوان أن نفهم أن احترام القانون ليس انتقاصًا من الفرح، وأن التحضر الحقيقي ليس في عدد السيارات التي تسير خلف الخريج، ولا في ارتفاع أصوات الأبواق، ولا في إخراج الأجساد من نوافذ السيارات، وإنما في أن نفرح دون أن نؤذي أحدًا، ودون أن نعطل طريقًا، ودون أن نحول الشارع العام إلى ملكية خاصة.
والله من وراء القصد ..