بسام السلمان
ما زلتُ أذكره… ذاك الراديو الخشبي الصغير المركون على طاولة قرب “النملية”، محاطًا بعلبة الخيطان، وعلبة الدبابيس، ومفرش صغير مطرز بزهور حمراء. كان الراديو لا يُطفأ إلا عند النوم، فهو رفيق البيت، وصوت أمه، وأحيانًا… أمل الجدّ.
تستيقظ أمي مع أول خيوط الضوء، تضع إبريق الشاي على البابور، وتدسّ في الصوبة قطعة خشب، وتدير مفتاح الراديو… فيبدأ النهار. أول ما يصل إلى أذني: موسيقى برنامج “مع المزارع”، أو صوت توفيق النمري يغني “ضمة ورد من جنينتنا”، ثم تقاطع الأغنية جملة لا تُنسى: “هنا عمّان…”.
لم نكن نحتاج لأكثر من ذلك. كانت الإذاعة تروي لنا الطقس، وتقرأ نشرة الأخبار، وتذيع الأغاني التي نُحب دون أن نطلبها. أغاني عبد الحليم ونجاة وفيروز وأغاني الأعراس القروية التي نسمعها ونحن نُعد المونة أو نحفر الكوسا.
وفي الضحى، حين تشتد الشمس، تبدأ أمي بغسل الغسيل، وقد ترفع صوت المذياع قليلًا، حتى تسمعه من الحوش. كان صوت الأغاني يتسلل إلى الجيران، فينضمّون تلقائيًا إلى المشهد، وتُصبح الإذاعة مشتركة للجميع.
في المساء، كانت جلسة الراديو طقسًا مقدسًا. يجلس الأب بجواره، يُقلّب المؤشر برفق حتى يعثر على تلاوة قرآنية أو على نشرة أخبار العالم. نتابع أحداثًا لا نفهمها، ونُصغي بأدب. ثم نسمع صوت المذيع الأنيق يقول: “ونعود الآن إلى ما يطلبه المستمعون…”، فنبتسم.
كان للراديو في البيت سلطة، لا يُقاطع، لا يُعلّق عليه أحد، ولا يُطفأ حتى ينتهي البرنامج المفضل. الراديو لم يكن وسيلة ترفيه فحسب، بل وسيلة اتصال بالعالم، وأحيانًا، وسيلة للوحدة.
وحين كانت الأم تشتاق لأهلها البعيدين، تسمع أغنية حزينة وتغيب في الذكرى. الراديو لا يسألها ما بكِ، لكنه يسمعها… ويواسيها.
اليوم، صمتت الراديوهات في أغلب البيوت. حلّت محلّها شاشات ذكية، وتطبيقات لا طعم لها، وصوت لا رائحة فيه. لم يعد أحد ينتظر أغنيته المفضلة… الكل يمتلكها مسبقًا.
لكننا نحن، أبناء تلك البيوت، ما زلنا نشتاق لصوت الإذاعة، ولصوت أمهاتنا في الصباح وهي تقول: “قوم، غنّوا معنا… فتحنا الراديو“.