أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
أثار تساؤل الاستاذ حسين رواشدة عن غياب الكتابات عن الشخصية الاردنية في رغبة للكتابة في هذا الموضوع من منظور علم الاعصاب و لكن تبقى الحاجة لان يقوم علماء الاجتماع بالكتابة بذلك.
الكتابة بشؤون و طبائع المجتمع دائما محفوفة بالمخاطر في منطقتنا المترعة بالتحيزات الدينية و المناطقية و الطائفية و الاقليمية و العشائرية و الثقافية.
فهم الشخصية من منظور علم الاعصاب يبدأ من فهم الدماغ الذي يتشكل من العقل الواعي المسؤول عن الموازنة المنطقية بمقابل العقل الباطن الاقوى و الذي تتشكل فيه القناعات والقرارات والعادات نتيجة برمجة موروثة وأخرى مستمدة من المحيط الاسري و الاجتماعي.
اي ان العقل الباطن تتصارع به قوتين الاولى قوة الاستحواذ على الموارد و المصالح و المكاسب و السلطة و الغرائز و هذه موروثة نتيجة التركيبة البشرية و رغبة البقاء و التكاثر والقوة الاخرى قوة منع مستمدة من الدين والمجتمع و القوانين والقوة المسيطرة.
العقل الواعي هو ما يوازن بين تلك القوى الموجودة في العقل الباطن ليخرج السلوك لفظا وفعلا في مصلحة الفرد مقارنة بالمعايير الغالبة.
مثال على ذلك، الطفل عندنا يشعر بالرغبة في التبول يقوم بذلك في أي مكان، فالقوى الدينية و الاجتماعية و القانونية برغم وجودها لا يدركها لغياب العقل الواعي.
أي أن العقل الواعي يدرك وجود هذه القوى ثم يوازن بين الرغبات و الغرائز من جهة و بين قوى المنع و التنظيم من جهة.
مثال آخر في مجتمع يقبل و يشجع على العنف، فالفرد فيه بالأساس يميل للعنف اذا امتلك القوة، ولكن يمنعه قوى المنع الدينية و الاجتماعية والقانونية ولكن إن أدرك العقل الواعي أنه قد يفلت من القانون و المجتمع يبجل العنف و غاب الرادع الديني، فإن الفرد لن يتردد في استخدام العنف للحصول على المكاسب.
اذا قوى المنع هي القوة الاخلاقية المستمدة من الانسانية و المجتمع و الدين والثقافة الذاتية مقابل قوة الاستحواذ المستمدة من الغرائز والرغبات إن توفرت الظروف والعقل الواعي يدرك هذه جميعًا ثم يوازن ثم يسمح أو يمنع.
تكرار السلوك يصبح عادة لا تحتاج تفكير و تحليل وبالتالي أصبح هو الشخصية الفردية أو الاجتماعية.
لذلك، فإن قوى المنع تبدأ بتربية اسرية و اجتماعية مبنية على السلوك السائد و السرديات الضيقة ثم تدعمها او تهذبها او ترفضها السرديات الاوسع في المدرسة و المجتمع الاكبر و الدين و القوانين.
توافق قوى المنع بين السرديات الاولى الضيقة و اللاحقة ينتج شخصية متوافقة التفكير و السلوك و اما تعارضها تنتج شخصية مزدوجة تدعي المثالية لترضي المجتمع و تمارس السلوك المبني على القناعة التي تشكلت في الطفولة.
مثال حب الوطن، مثلًا أن كان جزء من السردية الاسرية و المجتمع الضيق في الطفولة و توافق مع السرديات اللاحقة للمجتمع الاكبر و المدرسة يصبح اصيلا تترجم فيه القناعات الى سلوك متصالح مع الذات.
أمَّا إن كانت السرديات الاسرية و المجتمع الضيق ترفض الوطن و تتبنى رواية ضده فإن السرديات اللاحقة ستبني شخصية مزدوجة تتظاهر بحب الوطن و تضمر غير ذلك لتظهره فقط في الجلسات الضيقة او عندما تأتي فرصة مناسبة و هذا يجيب على سؤال الهوية أي من هو المجتمع أو الشعب أو الدولة التي ترى نفسك جزءًا منها ومن مصيرها.
الهوية لا تقسم على اثنين بل خيار واحد بين اثنين او متعدد فإن كانت الاجابة متعددة فهنالك غياب للهوية.
هذا ينطبق ايضا على الهويات الفرعية داخل الوطن، مثلًا لو تضادت مصلحة العشيرة والدولة الوطنية، فمن هي التي تعتبر نفسك منها ومن مصيرها السياسي.
العشائري سيختار العشيرة و الوطني سيختار الوطن.
هذه ايضا ينطبق على الدين و الطائفة و المذهب و الفكر مقابل الدولة الوطنية.
الإسلام السياسي يؤمن بالوحدة الإسلامية أو فكرة الخلافة، والقومية تؤمن بالوحدة العربية والليبرالية الإنسانية تؤمن بالحرية الفردية، هذا الفكر هو سردية في مجتمعات وأُسر ضيقة، لكن عند خروجها للمجتمع الاوسع يصبح الخيار بين فكر لا يؤمن بالدولة الوطنية وسردية لاحقة اساسها الدولة الوطنية، فيحدث الصراع الهوياتي الذي ذكرت فيصبح السلوك الظاهر وطني ولكن القناعات لا تؤمن بالوطن وتظهر تلك القناعات على حقيقتها عندما تأتي الفرصة المناسبة.
الملخص أن الشخصية الفردية و الاجتماعية تبنى على توازن بين قوة الاستحواذ (الغرائز و الرغبات) الاصيلة في العقل الباطن وقوى المنع الاخلاقية والدينية.
القوة الأخلاقية مستمدة من الدين و قيم المجتمع و القيمة الثقافية والإنسانية.
العقل الواعي (الوعي) يدرك هذا الصراع ويوازن، ليحقق أفضل قبول للفرد والمجتمع، إن توافقت القناعات التي تبنى في الطفولة مع القناعات للمجتمع والوطن كان هنالك شخصية متصالحة تعرف حقوقها والأهم مسؤولياتها، وبالتالي هويتها.
أما إن تعارضت القناعات التي يبنى في الطفولة او لاحقا مع قناعات المجتمع و الوطن تنتج صراع هوية و ازدواجية شخصية تتغذى على الكره و كأنها شخصيتان في فرد واحد ظاهرية مثالية وطنيا و اخلاقيا و باطنية تنتظر الفرصة المناسبة لاظهار الشخصية الاصيلة.
في المقال القادم ساستكمل الكتابة بالشخصية الأردنية، بتفكيك السؤال الأهم، من هو الأردني كهُوية وطنية، باعتبار أن القانون هو أحد أو أقوى قوى المنع التي تحدد ظهور القناعة العميقة وبالتالية هو معني بالجنسية وليس بالهوية.