مع انطلاق أولى جلسات محاكمة مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون في دمشق، يعود اسم الرجل الذي شغل موقعاً دينياً وسياسياً بارزاً خلال سنوات حكم المخلوع بشار الأسد إلى واجهة المشهد السوري مجدداً، لكن هذه المرة من خلف القضبان.
فبعد سنوات من ظهوره مدافعاً عن سياسات النظام المخلوع ومبرراً لخياراته العسكرية والأمنية، وجد حسون نفسه واقفاً أمام محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية، لمواجهة سلسلة من الاتهامات المرتبطة بدوره خلال سنوات الصراع.
وتأتي المحاكمة في سياق المسار القضائي الذي أطلقته السلطات السورية الجديدة لملاحقة شخصيات سياسية وأمنية ودينية شغلت مواقع مؤثرة في عهد النظام المخلوع، وسط اهتمام حقوقي وإعلامي واسع بالنظر إلى المكانة التي احتلها حسون داخل بنية السلطة السابقة، والدور الذي لعبه في صياغة الخطاب الديني الرسمي خلال أكثر المراحل دموية في تاريخ البلاد الحديث.
ورغم أن اسم أحمد حسون ارتبط لعقود بمنصب الإفتاء والحضور الديني الرسمي، فإن صورته لدى شريحة واسعة من السوريين تشكلت خلال سنوات الثورة، حين تحول من رجل دين يتحدث عن الحوار بين الأديان والتعايش إلى أحد أبرز المدافعين عن النظام المخلوع في مواجهة الثوة السورية التي اندلعت عام 2011.
ولد أحمد بدر الدين حسون في مدينة حلب عام 1949 من عائلة دينية معروفة، إذ كان والده محمد أديب حسون من رجال الدين البارزين في المدينة، وتلقى تعليمه الشرعي والأكاديمي في الدراسات الإسلامية، وحصل على شهادة الدكتوراه في الفقه الشافعي، إلى جانب إجازة في الأدب العربي.
وفي عام 2002 عين مفتياً لمحافظة حلب، قبل أن يتولى منصب مفتي الجمهورية السورية عام 2005 خلفاً للشيخ أحمد كفتارو، ليصبح المرجعية الدينية الرسمية العليا في البلاد حتى إلغاء المنصب عام 2021.
وخلال تلك الفترة، شارك حسون في عدد من المؤتمرات واللقاءات الدولية المتعلقة بالحوار بين الأديان والثقافات، وقدم نفسه بوصفه داعية للتقارب الديني والتعايش، كما شغل مواقع استشارية وإعلامية في مؤسسات إسلامية إقليمية، الأمر الذي أسهم في بناء صورة خارجية مختلفة عن تلك التي ستتشكل لاحقاً داخل سوريا.
سنوات الثورة السورية
مع اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، برز أحمد حسون باعتباره أحد أكثر الشخصيات الدينية التصاقاً بخطاب النظام المخلوع، فمنذ الأشهر الأولى للأحداث تبنى الرواية الرسمية التي كانت تنسب الاحتجاجات إلى مؤامرات خارجية وجماعات مسلحة مدعومة من الخارج، رافضاً الاعتراف بالطابع الشعبي للحراك.
وخلال سنوات الصراع ظهر حسون بشكل متكرر في وسائل الإعلام الرسمية، مدافعاً عن العمليات العسكرية التي نفذتها قوات النظام ضد مناطق المعارضة، ومؤكداً دعمه الكامل للمؤسسة العسكرية والأمنية، كما اعتبر الوقوف إلى جانب الجيش واجباً شرعياً، في حين وصف خصوم النظام بعبارات أثارت جدلاً واسعاً بين السوريين.
وتحولت مواقفه تلك إلى أحد أكثر الملفات إثارة للانتقادات، خصوصاً بعد سلسلة من التصريحات التي اعتبرها معارضون ومنظمات حقوقية تحريضاً مباشراً ضد المدنيين والمعارضين، ومنذ تلك الفترة بدأ تداول لقب “مفتي البراميل” في إشارة إلى دعمه للعمليات العسكرية التي استخدمت فيها البراميل المتفجرة ضد مناطق خارجة عن سيطرة النظام.
كما أثارت تصريحاته المتعلقة باللاجئين السوريين موجة غضب واسعة، بعدما اتهم شرائح واسعة ممن غادروا البلاد بالخيانة أو بالتخلي عن وطنهم، في وقت كانت فيه موجات النزوح واللجوء تتصاعد نتيجة العمليات العسكرية والقصف المستمر.
ومن بين أكثر المواقف التي بقيت حاضرة في الذاكرة السورية، تهديداته العلنية التي وجهها إلى دول غربية عام 2011، حين تحدث عن إمكانية وصول أعمال عنف إلى أوروبا والولايات المتحدة في حال تعرضت سوريا لهجوم خارجي، وهو خطاب أثار انتقادات دولية وأدى إلى سحب دعوات كانت موجهة إليه للمشاركة في فعاليات خارجية.
بعد سقوط النظام المخلوع وسيطرة السلطات الجديدة على دمشق في ديسمبر 2024، أصبح اسم أحمد حسون مطروحاً ضمن الشخصيات المطلوب التحقيق معها على خلفية دورها خلال سنوات الصراع.
وفي مارس 2025 أوقف حسون في مطار دمشق في أثناء محاولته الفرار خارج البلاد، قبل أن تبدأ التحقيقات القضائية معه ضمن ملفات تتعلق بالتحريض والمشاركة المعنوية في الجرائم المرتكبة خلال عهد النظام السابق.
وخلال الجلسة الأولى للمحاكمة التي عقدت في القصر العدلي بدمشق، تليت سلسلة من الاتهامات المنسوبة إليه أمام محكمة الجنايات الرابعة المختصة بقضايا العدالة الانتقالية.
وتشمل هذه الاتهامات، وفق ما أعلنته الجهات القضائية، الاشتراك في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والتحريض على القتل، والإسهام في دعم الانتهاكات التي ارتكبتها مؤسسات النظام المخلوع بحق المدنيين.
كما استند قرار الاتهام إلى ما وصفه الادعاء بعلاقات واتصالات واسعة أقامها حسون مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين خارج الأطر الرسمية، إضافة إلى دوره في تقديم خطاب ديني داعم للعمليات العسكرية التي شهدتها البلاد.
وتضمنت لائحة الاتهام أيضاً تصريحات إعلامية ومحاضرات ألقاها أمام عناصر وضباط في قوات النظام المخلوع، دعا خلالها إلى مواصلة القتال ضد المعارضين ودعم العمليات العسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة آنذاك.
وتحدث الادعاء كذلك عن تصريحات نسبت إلى حسون اعتبرت تحريضية بحق سكان مناطق معارضة، فضلاً عن إشادته بشخصيات عسكرية وأمنية ارتبطت أسماؤها بملفات انتهاكات موثقة خلال سنوات الحرب.