الرمثا نت
في الخامسة صباحاً كانت مدينة لاروشيل الفرنسية تسجل قرابة 30 درجة مئوية، وهي حرارة اعتاد سكانها رؤيتها في ذروة نهار الصيف لا قبل شروق الشمس. وبعد ساعات قليلة، انقطع التيار الكهربائي عن عشرات الآلاف من المنازل في غرب فرنسا، بينما كانت القطارات تتباطأ في بريطانيا، وتغلق مدارس أبوابها، وتستعد مدن إيطالية لإعلان أعلى درجات التأهب.
لم تعد موجة الحر التي تضرب أوروبا تُقاس فقط بدرجات الحرارة المسجلة على شاشات الأرصاد الجوية، بل بحجم الاضطراب الذي تفرضه على تفاصيل الحياة اليومية. فمع امتداد القبة الحرارية عبر غرب القارة، بدأت آثارها تظهر في الكهرباء والنقل والمدارس والسياحة وحتى في أنظمة الطاقة النووية.
في فرنسا، جاء انقطاع الكهرباء عن نحو 68 ألف منزل في منطقة فينيستير كأحد أوضح المؤشرات على الضغوط التي تواجهها البنية التحتية. وفي الوقت نفسه كانت هيئة الأرصاد الفرنسية تعلن أن البلاد سجلت اليوم الأربعاء أكثر الأيام حرارة منذ بدء السجلات المناخية عام 1947، محطّمة الرقم القياسي الذي تم تسجيله أمس الثلاثاء، ومتجاوزة أرقاماً ارتبطت تاريخياً بموجة حر 2003 التي تعد من أكثر الكوارث المناخية فتكاً في تاريخ فرنسا الحديث.
ولم يقتصر تأثير الموجة على المنازل وشبكات الكهرباء. ففي باريس، اضطرت إدارة برج إيفل ومتحف اللوفر إلى تقليص ساعات العمل بسبب الحرارة المرتفعة، بينما لجأت مدارس ومؤسسات في عدة مدن إلى الإغلاق المبكر أو اعتماد العمل عن بُعد. وحتى في قطاع الرياضة، دفعت الظروف المناخية منظمي نصف ماراثون هامبورغ إلى تأجيل السباق تفادياً للمخاطر الصحية.
وعلى الجانب الآخر من القناة الإنجليزية، سجلت بريطانيا أعلى درجة حرارة في تاريخها خلال شهر يونيو، بلغت 35.7 درجة مئوية في جنوب إنجلترا. وأصدرت السلطات تحذيرات صحية نادرة من المستوى الأحمر، فيما شهدت بعض خطوط السكك الحديدية اضطرابات بسبب المخاوف من تأثير الحرارة على البنية التحتية للنقل. وفي بلد لم تُصمم غالبية مبانيه للتعامل مع درجات حرارة تقترب من الأربعين مئوية، تحولت أجهزة التكييف والمراوح إلى سلع مطلوبة بشكل غير مسبوق.
ومع انتقال الموجة جنوباً وشرقاً، رفعت إيطاليا مستوى التأهب إلى الدرجة القصوى في 16 مدينة، بينما أصدرت دول أخرى مثل بولندا والمجر وكرواتيا تحذيرات مشابهة استعداداً لوصول الموجة خلال الأيام المقبلة.
وتشير التقديرات الأوروبية إلى أن نحو 94 مليون شخص يواجهون الأربعاء درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، فيما يعيش أكثر من 350 مليون شخص تحت حرارة تفوق 30 درجة، وهو ما يجعل هذه الموجة من أوسع الظواهر المناخية تأثيراً على سكان القارة خلال السنوات الأخيرة.
ومع تزايد أعداد المتضررين، بدأت الحصيلة البشرية بالارتفاع أيضاً. فقد أعلنت فرنسا تسجيل 40 حالة غرق خلال أيام قليلة مع توجه أعداد كبيرة من السكان إلى الأنهار والبحيرات هرباً من الحر، بينما شهدت بلجيكا وفاة مراهقين في حادثة مشابهة.
وفي الوقت ذاته، امتد تأثير الحرارة إلى قطاع الطاقة، حيث أوقفت فرنسا تشغيل محطة غولفيش النووية مؤقتاً بسبب ارتفاع حرارة مياه نهر غارون المستخدمة في التبريد، في مؤشر إضافي على أن التحدي لم يعد مرتبطاً براحة السكان فقط، بل بقدرة البنى الحيوية على مواصلة العمل تحت ظروف مناخية غير مألوفة.
20
المقالة السابقة