الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الرمثا نت – تواجه المنظومة الطبية والصحية اليوم تحديًا متجددًا يمس عصب جودتها ومصداقيتها، يتمثل بكيفية ضبط الممارسات المهنية وكبح التجاوزات المخالفة للتشريعات والبروتوكولات المعتمدة.
وفي ظل اتساع الفضاء الرقمي وظهور أنماط جديدة من المخالفات التسويقية والمهنية، بات من الضروري صياغة مقاربة شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية نحو مأسسة رقابية فاعلة تعيد الاعتبار لشرف المهنة وتضمن أمن المريض.
ضبط المهن الصحية يحتاج وعيا ورقابة متوازية
وفي هذا السياق، قدم الأكاديمي والعضو المؤسس للجنة الأخلاقيات الطبية في نقابة الأطباء د. مؤمن سليمان الحديدي، قراءة عميقة فكك فيها أبعاد هذه الأزمة ووضع يده على الاختلالات البنيوية ومفترق الطرق بين التوعية الوازعة والعقوبة الرادعة.
وقال إن “هناك فرقًا قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميقٌ في معناه، بين مفهوم المسؤولية ومفهوم المساءلة”.
وأضاف، إن “المسؤولية تعني أن يتحمل الإنسان واجبه الأخلاقي والمهني تجاه سلوكه وأفعاله من تلقاء نفسه، ومثال ذلك التزام السائق بقيادة مركبته بطريقة آمنة حتى في غياب الرقابة الشرطية، أما المساءلة فترتبط بالخوف من الرقابة وضبط المخالفة من قبل الجهات المختصة وأهل الضابطة العدلية”.
وأكد أن ضبط المهن الطبية والصحية يقوم على محورين متوازيين لا ينفصل أحدهما عن الآخر: الأول محور توعوي وقائي يهدف لبناء الثقافة المهنية وتعزيز الالتزام الذاتي، والثاني محور رقابي عقابي وإصلاحي يهدف لمحاسبة المخالفين وضمان حماية المجتمع.
واعتبر أنه لا بد من الإشارة أيضًا لأهمية دور الإعلام والمؤثرين وصناع المحتوى ووسائل التواصل الاجتماعي بنشر الوعي وترسيخ الثقافة الصحية والمهنية السليمة.
وتابع، “عبر خبرتي، أرى أن أهل الاختصاص في القطاع الطبي يركزون غالبًا على جانب الضبط والعقاب في مقابل ضعف الاهتمام بجوانب التوعية والتمكين، إضافة إلى غياب كافٍ لمبادئ الحوكمة والشفافية والعمل التشاركي”.
وأكد أن أسلوب “الفزعة” وردات الفعل الآنية “لا ينسجم مع مستوى الخدمات الطبية الراقية التي نقدمها ونطمح لتطويرها”.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على تمكين الأطباء من فهم مبادئ الأخلاقيات الطبية والتحديات المرتبطة بتطبيقها، مبينًا أنه يجب أن يبدأ هذا العمل مع الكليات الطبية جميعهم بالتوازي مع تشديد الرقابة والمساءلة العادلة بحق المخالفين دون أي تساهل.
وأوضح أن الحاجة الملحة تبرز حاليًا إلى إصدار الأدلة والمعايير القياسية المنظمة لكل عمل طبي وصحي.
وقال إن المادة السادسة من قانون المسؤولية الطبية ما تزال بحاجة لتفعيل وتطبيق فعلي على أرض الواقع.
وأكد الأهمية الكبيرة للتأمين ضد الأخطاء الطبية، باعتباره أحد أهم وسائل الرقابة الداخلية وضبط جودة الأداء المهني، مشيرًا إلى أن “تطوير المنظومة الطبية والصحية مسؤولية مشتركة نتحملها جميعًا”.
تجميل أم تشويه؟
وفتح الإقبال المتصاعد على قطاع الإجراءات التجميلية غير الجراحية الباب واسعًا أمام نقاشات مهنية وقانونية معقدة في الأردن، تدور في مجملها حول حماية القطاع من الدخلاء وتحديد الصلاحيات الدقيقة لكل تخصص طبي.
وجاء هذا الحراك الرقابي في وقت تسعى فيه الجهات التنظيمية إلى مأسسة هذا المجال وضبطه لحماية سلامة المرضى وصون سمعة الطب الأردني.
واستعرض عضو مجلس نقابة الأطباء د.طارق الخطيب خريطة الطريق نحو تنظيم الممارسة وضمان أمن المتلقي.
وقال “يتحدث الأطباء اليوم بقلق حقيقي عن ظاهرة باتت تلقي بظلالها على سلامة المرضى وكرامة المهنة معًا”.
وأضاف: “شهدت السنوات الأخيرة إقبالًا واسعًا على الإجراءات التجميلية غير الجراحية، دفعته رغبة إنسانية مفهومة في الاعتناء بالمظهر وتعزيز الثقة بالنفس. ومع تنامي هذا الطلب المجتمعي، توسع معه عدد الممارسين من تخصصات شتى والتي منها جراحة التجميل، وطب الجلدية، وطب الأسرة، والأنف والأذن والحنجرة، والعيون وصولًا إلى الطب العام”.
وأكد أن ما يقلق هو ما اختبأ خلف هذا التوسع، حيث بات بعض الممارسين يدخلون هذا المجال الحساس بعد دورات لا تتجاوز أسبوعًا أو أسبوعين، يقدمها أحيانًا أشخاص لا يملكون أنفسهم المؤهلات الكافية.
وتابع: “الأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الدورات لا توجه للأطباء أصلًا، بل تفتح أبوابها لمن لا تربطهم بالطب أي صلة ليمارسوا إجراءات تحمل في طياتها مخاطر صحية حقيقية قد تطال وجوه الناس وأرواحهم”.
وقال إنه أمام هذا الواقع، “تبرز تساؤلات جوهرية لا يمكن تجاهلها: من يحق له فعلًا ممارسة هذه الإجراءات؟ وأين تنتهي صلاحيات كل تخصص وتبدأ حدود الآخر؟ هل يسمح لطبيب الأسنان بالدخول إلى هذا المجال، وإن كان كذلك، فما الفروع المقبولة تحديدًا؟”
واعتبر أنه في خضم هذه التساؤلات، كانت نقابة الأطباء سباقة في اتخاذ خطوة مسؤولة، حيث أعدت واعتمدت معايير واضحة لممارسة هذه الإجراءات، تعنى بمتطلبات التدريب والتأهيل وترسم حدودًا دقيقة لما يحق لكل تخصص ممارسته.
وأشار إلى أن المعالجة الحقيقية لهذا الملف تتطلب أكثر من جهة واحدة، “فالمريض الذي يجلس على كرسي العيادة يستحق أن تقف خلفه منظومة متكاملة من الرقابة والمسؤولية من وزارة الصحة والمجلس الطبي الأردني ونقابتا الأطباء وأطباء الأسنان وهي جميعها شركاء في هذه المسؤولية”.
وبحسبه، فإن وجود ممثلين عن هذه الجهات في مديرية تراخيص المهن والمؤسسات الصحية يمثل خطوة أولى نحو بروتوكول موحد، يضع معايير واضحة للتدريب والممارسة ويرسم سقفًا صريحًا لما هو مقبول وما هو مرفوض.
وشدد على أن “الجمال الحقيقي لا يبنى على حساب السلامة”.
الغد