النائب م. #إيمان_العباسي
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
إن ما تشهده أذربيجان اليوم—عبر التوسع التعسفي في تطبيق قرارات وزارة التعليم ولائحتي مجلس الوزراء (309 و325) بشأن الزي المدرسي والمهني—والتي تُستغل لمنع الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس والجامعات، هو اعتداء صارخ على الحقوق الدستورية والحريات الأساسية، وتجاوز لحق التعلم والعمل المكفول دولياً.
أولاً: الحجاب.. تكريم إلهي وأمر رباني لا خيار إداري
قبل أن يكون الحجاب حقاً تكفله المواثيق البشرية، هو فريضة شرعية وأمر رباني قطعي فرضه الله عز وجل على المرأة المسلمة، لا ليقيد حريتها، بل لتكريمها وصيانة كرامتها، وإعلاء شأنها وحمايتها في المجتمع.
إن الحجاب في وجدان الفتاة المسلمة ليس رمزاً سياسياً ولا شعاراً طارئاً يُمكن المساومة عليه،إنما هو جزء أصيل من هويتها وعقيدتها ودينها. وعندما تُجبر الفتاة أو المعلمة على المفاضلة بين الالتزام بأمر ربها والتزين بعفتها وبين حقها الفطري في العلم والعمل، فإننا نكون أمام جريمة إكراه معنوي تُجرّمها كافة الشرائع السماوية والقوانين الأرضية.
ثانياً: أذربيجان والإسلام.. استيراد “العلمانية القسرية” لغالبية شعبية
كيف لدولة تُشير الإحصائيات الرسمية والدولية إلى أن أكثر من 96% من سكانها يعتنقون الدين الإسلامي، أن تُساق نحو نموذج هجين من “العلمانية القسرية” لتطبيقه على بناتها و معلماتها.
. إن مساواة “الحجاب”—وهو فرض ديني وتكريم رباني—بالمخالفات المسلكية أو الشكليات التنظيمية لهو شطط سلطوي يضع الدولة في صدام مباشر وغير مبرر مع الهوية الثقافية والدينية لغالبية مجتمعها.
ثالثاً: استقراء التاريخ.. كيف تهاوت تجارب الحظر المماثلة؟
إن القراءة الواعية للتاريخ السياسي والإقليمي تؤكد أن جميع السياسات التي حاولت الاصطدام مع العقيدة والهوية الوطنية أثبتت فشلها الذريع، وآلت إلى التراجع أمام إرادة الشعوب وسنن العدالة:
التجربة التركية: عاشت تركيا عقوداً من الحظر الصارم للحجاب في المؤسسات التعليمية والحكومية باسم حماية العلمانية؛ فنجم عن ذلك احتقان مجتمعي حاد وحرمان أجيال من الكفاءات النسائية. ولم ينتهِ هذا الإقصاء إلا عبر الإرادة الشعبية والتعديلات التشريعية التي أدركت أن قوة الدولة تكمن في احترام حريات أبنائها، ليصبح الحجاب اليوم مظهراً طبيعياً للمواطنة العادلة.
التجربة الأوزبكية: فرضت السلطات لسنوات قيوداً مشددة على لباس الفتيات في المدارس، لكنها سرعان ما أدركت أن هذا التضييق يتسبب في تسرب الفتيات من التعليم ويُغذّي الاحتقان المجتمعي، فتراجعت الحكومة وأعادت للفتيات حقهن في الالتزام بلباسهن الديني والتقليدي داخل المدارس.
التجربة التونسية: أثبتت قرارات حظر الحجاب عجزها عن الصمود أمام النضال الحقوقي والشعبي، وانتهت بتهاوي تلك القرارات واستعادة المرأة حريتها في خياراتها الدينية.
الدرس التاريخي الأبرز: إن القرارات الإدارية لا تنزع العقيدة من القلوب، وحظر الشعائر لا يُلغي الإيمان، بل ينقل الشعور بالظلم والاضطهاد من أروقة المدارس إلى عمق الشارع، ومآله المحتوم هو الانكسار أمام المبادئ الحقوقية والأنظمة الدستورية المستقرة.
رابعاً: خلفيات القرار الجيوسياسية
إن هذا التضييق لا يمكن عزله عن سياقات وخلفيات جيوسياسية وأمنية:
الخلط بين التدين الفردي والهاجس السياسي: تخشى السلطات الأذربيجانية من تصاعد النفوذ الديني، فتربط—عن غير وجه حق—بين حرية ممارسة الشعائر الفردية والحجاب وبين التأثيرات الجيوسياسية الإقليمية.
التسويق الخارجي لـ “العلمانية المتطرفة”: تسعى السلطة إلى تقديم صورة نمطية للخارج تُظهر أذربيجان كنموذج غربي، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق الأصيلة لمواطنيها.
التذرع بـ “تطبيق اللوائح”: استخدام اختزالي لـ “الزي الموحد” للتغطية على مصادرة حق التعبير الديني في الفضاء العام.
خامساً: الموقف الحقوقي والدولي
إن حرمان الفتيات والمعلمات من دخول الصروح التعليمية يُخالف بشكل صريح أركان المواثيق الدولية التي صادقت عليها أذربيجان:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 18): التي تكفل لكل شخص الحق في حرية الفكر والضمير والدين، وإظهار المعتقد بالتعبد وإقامة الشعائر.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 18): التي تحظر أي إكراه يمس حرية الشخص في دينه أو معتقده.
اتفاقية حقوق الطفل (المادة 28): التي تفرض على الدول إتاحة التعليم للجميع دون تمييز قائم على الدين أو الجنس.
#نحو_نهضة_إنسان_وعمارة_وطن
اعتداء صارخ على الحقوق الدستورية والحريات الأساسية
30
المقالة السابقة