عبدالله يوسف الزعبي
يحكى أن الفنان الألماني موريتس ريتش رسم؛ قبل قرنين إلا قليلاً، لوحة تسمى “كش ملك” تجسد الصراع الأبدي بين الخير والشر عبر رموز شاب وشيطان يجلسان على رقعة الشطرنج بانتظار النقلة الأخيرة التي سينتصر بها الشيطان. يجلس الشاب بملامح يائسة ومحبطة، غارقاً في التفكير ومنتظراً هزيمة لا مفر منها، بينما الشيطان يسترخى في مقعده مزهواً بالنصر، وفي الخلفية ملاكاً يحرس الشاب ولكنه يقف صامتاً وعلامات الحزن تكسو قسماته ومن غير أن يمد يده إلى قطعة أو يغير مسار اللعبة؛ فالنجاة التي يصنعها غير الإنسان تظل نجاة ناقصة.
مضت أعوام طويلة قبل أن تقع صورة اللوحة تحت نظر عبقري الشطرنج الأمريكي بول مورفي الذي تأمل الرقعة ملياً، ولم تستوقفه ابتسامة الشيطان ولا انكسار الشاب، بل أنصت بعقله إلى صمت القطع، ثم أعلن أن الموقف لم يحسم، وأن بوسعه أن يتولى جانب الإنسان وينتصر. أتى برقعة شطرنج حقيقية ونقل القطع التي في اللوحة إليها وتناوب على هزيمة الحاضرين الذين قاموا بدور الشيطان، فغلبهم واحداً بعد آخر، وانتزع من بين أنياب الهزيمة طريقاً لم تره العيون. عادةً ما يضيفت الخيال إلى الحكاية بعض زينتها، غير أن صدقها الرمزي أعمق من دقتها التاريخية؛ ذلك أن اليأس، في جوهره، ليس نهاية الطريق دائماً، بل عجز البصيرة عن رؤية منعطفه الخفي. ولطالما تعجل الإنسان في إعلان الهزيمة تحت وطأة الألم، أو أقام مأتم الغد قبل موته على وقع الحزن، ثم توهم أن انطفاء باب واحد يعني أن البيت كله قد غرق في الظلام.
سلاح الشيطان في اللوحة أمضى من السيف؛ إذ يملك القدرة على إقناع خصمه بأن اللعبة انتهت، وحين يصدق الإنسان ذلك، يهزم نفسه ويهب خصمه نصراً لم ينتزعه. أما الملاك الصامت خلفه، فيشبه ذلك الرجاء الخافت الذي لا يلعب نيابة عنه، لكنه يظل واقفاً حتى تستيقظ البصيرة وتتحرك اليد. وتبقى الحركة الباقية التي ربما لا تعني استرداد حلم ضاع، ولا عودة إلى مشهد أفسده الضجيج أو إصلاح وطن أثقلته الخيبات، إنما قد تكون خروجاً كريماً من رقعة بالية، أو كلمة صادقة تكتب على صفحة ابتسامة أو أمل يستر روحاً أرهقتها الأيام. وربما تمثل الخطوة الأخيرة التي لم يرها اليأس علماً يزرع في عقل طالب، أو عزلة تحفظ الروح من أن تشبه ما قاومته طويلاً، عندئذ لا يعود الانتصار أن يغلب الخصم، بل أن يعجز عن إسقاط الإنسان من مقامه الأخلاقي، وأن يبقى المرء أميناً لروحه حين تتبدل الوجوه والمقاعد، وأن يدرك، عند اشتداد العتمة، أن الشيطان قد يبتسم قبل أوان نقلة كش ملك، وأن الحياة تخبئ أحياناً بين قطعها المنهكة طريقاً أخيراً للنجاة.