بقلم: د. حاتم جميل السحيمات
لم يكن حضور جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كان بياناً تاريخياً للضمير الإنساني، وكلمة حق أبيةً عصيةً على النسيان أو الصمت.
بقراءة استراتيجية نافذة، أماط جلالته اللثام عن الأزمة الحقيقية لعصرنا المعاصر؛ والتي لا تكمن فقط في فداحة الأحداث، بل في خطر التجاهل الممنهج. ففي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغير الأولويات، تتحول المآسي الإنسانية تدريجياً إلى مجرد عناوين عابرة، ويغدو الظلم المستشري مألوفاً ومعتاداً. وهنا تكمن كارثة العصر: إن غض الطرف عن انتهاكات اليوم هو الهندسة الفعلية لمستقبل مأزوم غدًا.
وبشجاعة سياسية نادرة، تجاوز الخطاب لغة المجاملات الدبلوماسية ليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية: فما يجري في الضفة ليس مجرد توتر أمني أو “عنف عابر”، بل هو فصل لسياسة تهجير قسري ممنهجة تهدف إلى تغيير وقائع الأرض. وفي قطاع غزة سقطت كل المبررات، ولم يعد ممكناً توصيف الواقع بالمؤقت؛ فقد أُلبس المؤقت لبوس الدائم وسط صمت دولي مطبق. وفي أزمة الشرعية الدولية، تساءل جلالته بعمق، أي جدوى تبقى للقانون الدولي إذا استمر العالم في غض الطرف عن انتهاكاته لعقود طويلة؟. فغزة والضفة الغربية تمثلان وجهين لمشروع استعماري واحد يهدف إلى تقويض أي فرصة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وبصوت وطني راسخ لا يرتجف، رسم جلالة الملك حدود الثوابت الأردنية بوضوح تام؛ فالتقاعس الدولي لم يعد عجزا تقنيا بل أصبح خيارا سياسيا منحازا. ووجّه تحذيراً بليغاً من أن سياسة التجاهل لا تكبح جماح التوسع بل تغذيه، لتكون سوريا الشاهد الحي على مآلات هذا النهج. وختم الموقف الأردني بالتأكيد على أن أمن المملكة خط أحمر، ومياهها مصيرية، ومصالحها العليا فوق كل مساومة، ليظل الأردن الهاشمي درعاً منيعاً وصوتاً مدوياً للحق، وملتزماً بسلام عادل لا يقوم على أنقاض حقوق الشعوب.
وأمام هذه الثوابت الراسخة، يقف الأردن شعباً بأكمله خلف قيادته الهاشمية الحكيمة رهن إشارتها، واضعاً نصب عينه أن الوطن هو الغاية الأسمى؛ فكل فرد منا جندي مخلص مستعد للذود عن حمى الأردن وترابه الطهور في أي لحظة، فداءً لكرامته وسيادته.
غادر جلالة الملك المنصة الأممية، وبقيت كلماته محفورة في الذاكرة الإنسانية؛ كلمات لا تمحوها الأيام ولا تطويها صفائح النسيان، لأنها تجسيد حي لصوت الحق الذي يعلو حين تخفت أصوات العدالة.
حفظ الله الأردن، وحمى قيادته الحكيمة وأبناء شعبه الأوفياء درعاً حصيناً شامخاً في وجه التحديات.