بعد نحو 15 عاماً على انطلاق الاحتجاجات في درعا وما رافقها من انتهاكات واسعة، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الثلاثاء، حكماً بالإعدام حضورياً بحق رئيس فرع الأمن السياسي السابق عاطف نجيب، في واحدة من أبرز المحاكمات التي تطول مسؤولاً أمنياً سابقاً في نظام المخلوع بشار الأسد.
وأصدرت المحكمة أيضاً، أحكاماً مماثلة غيابياً بحق رئيس النظام المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وستة من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين الفارين، بعد إدانتهم بتهم تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والقتل العمد والتعذيب المفضي إلى الموت.
وصدر الحكم خلال الجلسة التاسعة من المحاكمة، التي بدأت في 26 نيسان الماضي، بعدما استمعت المحكمة في جلستها الثامنة، في 4 آب الجاري، إلى مرافعات النيابة العامة والادعاء والدفاع، إلى جانب الأقوال الأخيرة للمتهم عاطف نجيب.
وقرّرت هيئة المحكمة دمج العقوبات المحكوم بها وتطبيق العقوبة الأشد، وفقاً للقوانين السورية النافذة، لتختتم بذلك سلسلة من الجلسات العلنية، التي تناولت ملفات انتهاكات تعود إلى بدايات الثورة السورية عام 2011.
ويكتسب الحكم أهمية خاصة لكونه صادراً عن القضاء السوري في دمشق بحق شخصيات ارتبطت أسماؤها بإدارة أجهزة النظام السابق وعمليات القمع والانتهاكات، التي طالت المتظاهرين والمدنيين، منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011.
ماذا جرى داخل المحكمة؟
شهدت قاعة المحكمة حضوراً لذوي ضحايا ومعتقلين، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية ووسائل إعلام محلية ودولية، في حين استندت القضية خلال جلساتها إلى وثائق وشهادات ناجين وتقارير طبية وأدلة مرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها درعا ومراكز الاحتجاز.
وقضت المحكمة بالإعدام بحق عاطف نجيب، الذي مثل أمامها حضورياً، في حين صدرت الأحكام غيابياً بحق ثمانية متهمين فارين، يتقدمهم بشار وماهر الأسد، على خلفية مسؤوليتهم عن إصدار وتنفيذ أوامر ارتبطت بالقمع الأمني والعسكري للمدنيين منذ ربيع عام 2011.
الشارع السوري.. من جراح درعا إلى ساحات الفرح
أثار النطق بالحكم تفاعلاً واسعاً في الشارع السوري، خاصّةً في محافظة درعا (مهد الثورة السورية)، حيث خرج عدد من الأهالي إلى الساحات، رافعين العلم السوري ومرددين هتافات تستذكر الشهداء وتطالب باستكمال مسار المحاسبة.
وأمام مبنى المحكمة وفي شوارع المدن السوريّة، سجد عدد من ذوي الضحايا شكراً عقب صدور الحكم، في مشاهد استحضرت اعتقال الأطفال في درعا وتعذيبهم والضحايا الأوائل.
ورأى مشاركون أن صدور الحكم عن محكمة سورية في العاصمة دمشق يحمل رمزية خاصة، بوصفه خطوة في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات داخل البلاد.
وعبر منصات التواصل الاجتماعي، تداول ناشطون تسجيلات مصورة قالوا إنها تظهر تجمعات للأهالي وتوزيع الحلوى في عدد من المناطق، بالتوازي مع إعادة نشر صور لضحايا ومعتقلين قضوا تحت التعذيب، واستعادة وقائع اعتقال أطفال درعا والانتهاكات التي رافقت الأسابيع الأولى من الثورة.
ورأى متفاعلون مع الحكم أنه يمثل بداية لمسار أوسع لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، في حين أعاد القرار إلى الواجهة أسئلة تتعلق بمستقبل العدالة الانتقالية في سوريا، وقدرة المؤسسات القضائية على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإنصاف الضحايا وذويهم.
وعكست المنشورات المتداولة على منصات التواصل ترحيباً بالحكم، إذ اعتبر كثير من المتفاعلين أنه يمثل بداية لمسار أوسع لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مرددين عبارات من بينها أن “دماء الضحايا لم تذهب سدى” وأن “قطار العدالة انطلق ولن يتوقف”.
وفي الوقت نفسه، أعاد التفاعل مع الحكم فتح النقاش بشأن شكل العدالة التي ينتظرها السوريون، ومدى قدرة الأحكام القضائية على أن تكون مدخلاً لمسار أشمل يكشف الحقائق، ويحدد المسؤوليات، وينصف الضحايا وذويهم، ويضع ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات.
من “بتزعل خالتي” إلى قفص الاتهام
وأعاد الحكم بحق عاطف نجيب إلى الذاكرة واحدة من أكثر الروايات تداولاً عن بدايات أحداث درعا عام 2011، حين طالب وجهاء وشخصيات سورية بشار الأسد بمحاسبة ابن خالته على خلفية اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم.
وارتبطت تلك المطالبات بعبارة “بتزعل خالتي” المنسوبة إلى المخلوع رداً على المطالب بمحاسبة “نجيب”، وهي العبارة التي تحوّلت لاحقاً إلى رمز، في الخطاب الشعبي السوري، لطبيعة الحماية التي تمتعت بها شخصيات أمنية مقربة من عائلة الأسد.
وبعد سنوات من بقائه بعيداً عن المحاسبة، مثل نجيب هذه المرة أمام محكمة سورية في دمشق، في مشهد حمل بالنسبة إلى كثير من السوريين دلالة رمزية مرتبطة بالانتقال من مرحلة الحصانة الأمنية إلى المحاسبة القضائية.
قراءة حقوقية: الحكم خطوة مهمة والشفافية ضرورية
من جانبه، وصف رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، الحكم بأنه “خطوة قانونية مهمة في مسار كسر الإفلات من العقاب”، معتبراً أنه ينقل مساءلة كبار مسؤولي النظام السابق من نطاق التوثيق والمطالبات الحقوقية إلى القضاء الوطني.
وشدد عبد الغني على أن تعزيز مصداقية الحكم وأثره القانوني يتطلب نشر قرار قضائي مكتوب ومعلل ومتاح للرأي العام، مع توفير الحماية للشهود والضحايا، وتوضيح اختصاص المحكمة، وعرض الأدلة التي استندت إليها ومعايير الإثبات المطبقة.
كذلك، دعا إلى توضيح ضمانات حق الدفاع وتحديد أنماط المسؤولية الجنائية الفردية المنسوبة إلى كل متهم بصورة مفصلة، بما يضمن توافق الإجراءات مع المعايير القانونية اللازمة للمحاكمات المتعلقة بالجرائم الجسيمة.
في موازاة الترحيب بالحكم، أثارت عقوبة الإعدام نقاشاً قانونياً وحقوقياً بشأن تأثيرها المحتمل في جهود استرداد المحكومين الفارين خارج سوريا، ولا سيما بشار الأسد وغيره من المسؤولين السابقين المحكومين غيابياً.
ويرى المحامي والناشط الحقوقي ميشيل شماس، أن تثبيت حكم الإعدام أمام محكمة النقض قد يتحوّل إلى عقبة أمام طلبات تسليم بعض المحكومين، نظراً إلى أن دولاً عدة ترفض تسليم المطلوبين عندما يكونون معرضين لعقوبة الإعدام، إلا في حال تلقيها ضمانات بعدم تنفيذها.
واقترح شماس تعليق عقوبة الإعدام أو استبدالها بالسجن المؤبد ضمن قانون العدالة الانتقالية المرتقب، بما يسهم، وفق رأيه، في تسهيل استرداد الأسد وغيره من المسؤولين الفارين، والإبقاء على إمكانية التحقيق معهم في ملفات تتعلق بالمقابر الجماعية ومصير المغيبين قسرياً.
مواقف حكومية.. تدشين عهد المحاسبة
على المستوى الحكومي، رحّب عدد من المسؤولين السوريين بالحكم، بينهم وزير الداخلية أنس خطاب، الذي قال عبر حسابه على منصة “إكس”، إنّ “العدالة انتصرت اليوم لضحايا الجرائم والانتهاكات”، واصفاً القرار بأنه خطوة على طريق إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين.
وأكد خطاب أن الأجهزة المختصة ستواصل ملاحقة المتورطين في الجرائم والانتهاكات حتى إخضاعهم للمساءلة القانونية.
بدوره، وصف وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح صدور الحكم بأنه “لحظة انتظرها السوريون طويلاً”، معتبراً أنه يشكل محطة مهمة في مسار العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق السوريين.
وقال الصالح إن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يقود إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم “أياً كانت مواقعهم”.
من هو عاطف نجيب؟
عاطف نجيب، ابن خالة المخلوع بشار الأسد، ضابط سابق في جهاز الأمن السياسي، تنقل بين عدد من فروع الجهاز في دمشق وطرطوس، قبل أن يتولى رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا قبيل اندلاع الثورة السورية.
وبرز اسم عاطف نجيب على نطاق واسع مع انطلاق المظاهرات، التي شكّلت شرارة الثورة السورية في درعا، بتاريخ 18 آذار 2011، إذ هتف المحتجون ضده وطالبوا بإقالته ومحاسبته على خلفية اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم، كما ارتبط اسمه بروايات عن تهديد وجهاء المحافظة وأهاليها وإهانتهم خلال مطالباتهم بالإفراج عن الأطفال.
وفي 29 نيسان 2011، أدرجت الولايات المتحدة عاطف نجيب على قائمة العقوبات، قبل أن يدرجه الاتحاد الأوروبي على قائمته للعقوبات في 9 أيار من العام نفسه.
محاكمة امتدت لأشهر
تتعلق القضية بانتهاكات شهدتها محافظة درعا، منذ عام 2011، من بينها اعتقال الأطفال وقمع الاحتجاجات وحملات الاعتقال، إضافة إلى وقائع مرتبطة بالمسجد العمري ومراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية.
وفي 31 كانون الثاني 2025، أعلنت مديرية الأمن الداخلي في اللاذقية إلقاء القبض على عاطف نجيب خلال عملية أمنية، قبل أن يحال لاحقاً إلى القضاء وتبدأ محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق.
وفي جلسة 14 تموز، أفادت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بأنّ المحكمة استمعت إلى 18 شاهداً من شهود الحق العام، تناولت إفاداتهم وقائع وانتهاكات منسوبة إلى نجيب وأجهزة أمنية خلال فترة عمله في درعا.
وشهدت بعض مراحل القضية جلسات مغلقة جزئياً، خلال عرض شهادات ووثائق تضمنت معلومات حساسة وبيانات لشهود محميين، في حين حضر مراحل أخرى ممثلون عن منظمات حقوقية وقانونية محلية ودولية وذوو عدد من الضحايا.
وفي 28 تموز، عقدت المحكمة جلستها السابعة واستمعت إلى شاهد بناء على طلب الدفاع، قبل أن تعقد في 4 آب/أغسطس جلستها الثامنة، التي شهدت تقديم المرافعات النهائية والاستماع إلى الأقوال الأخيرة للمتهم.
الثلاثاء (11 آب 2026)، اختتمت القضية بالجلسة التاسعة وإصدار الأحكام، فاتحة بذلك مرحلة جديدة من النقاش بشأن مسار المحاسبة والعدالة الانتقالية في سوريا، وحدود قدرة القضاء الوطني على التعامل مع إرث الانتهاكات، التي امتدت لأكثر من عقد.