المهندس بسام ابو النصر
لا أكتب هذا المقال دفاعًا عن مدينة بقدر ما أكتبه دفاعًا عن العدالة في النظر إلى الناس والأماكن. فأنا أعشق كل مدينة أردنية، وأعتز بكل قرية وبادية ومخيم، وأؤمن أن الإنسان الأردني المنتج هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن. لكن ما يدفعني إلى الكتابة هو ذلك الشعور المتكرر بأن الرمثا كثيرًا ما تُختزل في صور نمطية أو نكات عابرة، بينما يغيب عن كثيرين تاريخها وإسهاماتها في بناء الأردن.
من أبناء الرمثا من يتحدث بلهجته الحورانية الأصيلة حين يكون بين أهله، ومنهم من يلين لهجته عندما يكون في بيئات مختلفة، كما يفعل كثير من الأردنيين. وهذه ليست ازدواجية، بل قدرة طبيعية على التكيف مع السياق الاجتماعي. ومع ذلك، تجد من يستهجن لهجتك إذا تحدثت بها في عمان، ويستهجنها أيضًا إذا حافظت عليها، وكأن المطلوب من ابن الرمثا أن يعتذر عن هويته في كل الأحوال.
المشكلة ليست في اللهجة، وإنما في الأحكام المسبقة. فكم مرة تحولت الرمثا إلى مادة للتندر كلما ذُكر اسمها، حتى في مناسبات يفترض أن تكون مدعاة للفخر الوطني؟ عندما وقف الحكم الدولي الأردني أدهم مخادمة في أكبر المحافل الكروية العالمية، ولفت أنظار العالم بأدائه المتميز، كان المتوقع أن يحتفي الأردنيون بإنجاز أحد أبنائهم. لكن بعض الأصوات اختارت أن تجر المناسبة إلى تعليقات ساخرة من الرمثا، وكأن المدينة يجب أن تُذكر دائمًا من خلال الصور النمطية لا من خلال نجاح أبنائها.
هذا الظلم لا يقتصر على المواقف العابرة، بل يمتد إلى تجاهل سجل طويل من العطاء. فالرمثا كانت وما تزال مدرسة في كرة القدم الأردنية. خرجت أجيالًا من اللاعبين الذين رفعوا اسم الأردن، وقدّم نادي الرمثا نموذجًا في الإصرار عندما توج ببطولة الدوري رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. وليس نادي الرمثا وحده من يمثل المدينة؛ فالرمثا تضم أندية تنافس في دوري المحترفين والدرجة الأولى، ما يعكس عمق الحركة الرياضية فيها.
أما في الثقافة والفنون، فالرمثا ليست هامشًا في المشهد الأردني، بل أحد روافده الأساسية. فقد أسهم فنانوها وشعراؤها ومغنوها في تشكيل جزء أصيل من هوية الأغنية الفلكلورية الأردنية، واستلهم كثيرون من مدارسها وألوانها الفنية. كما عرفت المدينة نشاطًا مسرحيًا وثقافيًا ترك أثره في الحياة الثقافية الوطنية، وأسهم أبناؤها في نشر صوت الأردن إلى أوروبا ،منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي ولدى أبناء الرمثا ومن خلال منتدى الرمثا الثقافي مهرجان للشعر العربي انطلق منذ عام 1994 وما زال مستمرا حضره جهابذة الشعر العربي ، وهناك مهرجانات فنية تشكيلية ومسرحية وجمعيات للثقافة تسهم بالكثير من الحركة الثقافية والادبيةوالرياضية والفولكلورية.
وفي الجانب الاجتماعي، عُرفت الرمثا بكرمها، حتى أصبحت موائدها جزءًا من ذاكرتها الشعبية. ويكفي أن يذكر “الكباب المهبل” و ” الخبز ف بصل” و ” المكمورة ” حتى يعرف الأردنيون أنه من أشهر ما يقصدونه في أعراس الرمثا ومناسباتها. كما ابتكر أهل الرمثا أساليب اجتماعية في تنظيم المناسبات الوطنية والعائلية أصبحت لاحقًا تُحتذى في مناطق أخرى من المملكة. ومع ذلك، أصبح الكرم نفسه أحيانًا مادة للسخرية من قبل الكثيرين خارج الرمثا بدل أن يكون مدعاة للفخر.
اقتصاديًا، دفعت الرمثا ثمن موقعها الحدودي وتحولات السياسات الاقتصادية. فقد بنى أهلها خبرة طويلة في التجارة، ثم واجهوا تغييرات كبيرة بعد نقل مركز النشاط الحدودي بعيدًا عن المدينة، وهو ما رآه كثير من أبناء الرمثا إضعافًا لدورها الاقتصادي والتجاري. ومع ذلك، لم يستسلموا، بل أعادوا بناء أعمالهم، قريبا من الموقع الجديد مع انه صار بعيدا عن اماكن سكناهم، واستمروا في البحث عن مصادر رزق جديدة، في كل المرافق الحدودية، في صورة تعكس روح المبادرة التي عُرف بها أهل المدينة.
ورغم أن الرمثا تعد من أكبر خمس مدن أردنية من حيث عدد السكان، فإن أبناءها ما زالوا يتساءلون عن أسباب عدم تحولها إلى محافظة مستقلة، خصوصًا بعد اقتطاع عدد من القرى التي كانت تتبع لها إداريًا، في وقت أصبحت فيه مراكز أقل سكانًا ونشاطًا محافظات قائمة بذاتها. وهذه قضية تنموية وإدارية تستحق النقاش الهادئ بعيدًا عن الانفعال أو المقارنات المجردة.
وفي ميادين العلم والإدارة، قدمت الرمثا للوطن مسؤولين وأكاديميين وأطباء ومهندسين وضباطًا وقضاة ومثقفين، كان لهم دور في تطوير مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع. ولم تكن الرمثا يومًا مدينة منغلقة على نفسها، بل كانت دائمًا جزءًا من المشروع الوطني الأردني، وأبناؤها وبناتها حاضرون في مختلف مواقع المسؤولية والعمل العام، يحملون الولاء للوطن والقيادة، ويؤمنون بأن نجاح الأردن هو نجاح للجميع.
أما ما يُتداول أحيانًا عن “ثورة الرمثا”، فقد تحولت بعض الروايات الشعبية إلى أداة لإلصاق أحكام جماعية بمدينة كاملة، بينما التاريخ أكثر تعقيدًا من الاختزال، والأحداث لا تُقرأ بالشائعات أو أحاديث المجالس، بل بالوثائق والسياقات. وليس من الإنصاف أن تبقى مدينة كاملة أسيرة روايات مجتزأة تتكرر دون تمحيص.
إن الرمثا ليست مدينة معصومة من الأخطاء، كما أن أي مدينة أردنية ليست كذلك. لكنها أيضًا ليست تلك الصورة الضيقة التي يرسمها البعض. إنها مدينة لها تاريخها الحوراني، وتراثها، وثقافتها، ورياضتها، وتجارتها، وعلماؤها، وفنانوها، وأهلها الذين أحبوا وطنهم وأسهموا في بنائه.
وأخيرًا، فإن الاعتزاز بالرمثا لا ينتقص من مكانة إربد أو السلط أو الكرك أو معان أو الزرقاء أو العقبة أو المفرق أو جرش أو عجلون أو مادبا أو الطفيلة أو البلقاء أو العاصمة عمان. فالأردن لا يقوم بمدينة واحدة، بل يقوم بجميع مدنه وقراه وبواديه ومخيماته. والإنصاف يقتضي أن نحتفي بكل مدينة بما قدمته، وأن نكف عن اختزال الناس في لهجة أو نكتة أو صورة نمطية. فالرمثا، كما كل مدينة أردنية، تستحق أن تُعرف بما أنجزته، لا بما يقال عنها.
الرمثا … مدينة تستحق الإنصاف
48
المقالة السابقة