كلُّ طرف في المفاوضات يريد أن يكتب خطاب النصر الخاص به، خطأ واشنطن في الخليج بمقاييس السياسة، هو إعتبار الرئيس للحرب، أنّها نزهة عسكرية أمريكية قصيرة المدى، ظنّ ترامب أنها ستكون مثل سحابة صيف، وإذ به يفاجأ بأنها صعبة وطويلة ومحيّرة، إجتاز ترامب بعض أشواطها بنجاح في بادئ الأمر ، لكن التفاوض بعدها من أجل إعادة فتح المضيق ، أصبح مأزقا يجسّد نموذجا يعكس قيمة الردع والنفوذ الاضافي ، الذي اكتسبته طهران في هذه الحرب ، بات الرئيس وفقها يأمل الانسحاب من هذه الورطة ، دون أن يلاحظ الأمريكيون حجم الهزيمة التي يمكن أن يمني بها هناك .
الاتفاق المنشود لازال يحوم في منطقة رمادية ، وجميع الأطراف لديهم ما يخسروه ، كلهم يريدون النزول عن الشجرة ، وحده ترامب الذي يريد أن يحظى بسلَّمٍ ذهبي ، وبدا أن الفاصل الإعلاني الذي يواصل ترامب ، ضخ المزيد من الوعود والتهديد فيه ، بين الفينة والأخرى ، ما هو إلا محاولة لإخفاء عمق مأزقه ، للتغطية على كمية الإحباط ، بعد تلك الأهداف الطموحة التي أعلنها الرئيس في بداية الحرب ، ولم يحقق أي شيء منها حتى هذه اللحظة ، في وقت بات يخشى فيه الشعب الامريكي ، أن يكون الاتفاق النووي الذي يسعى ترامب له اليوم ، ويجري التفاوض عليه الآن ، شبيهاً بذاك الذي ألغاه ترامب عام ٢٠١٥ .
هذا بنظرهم سوف يسدل الستار على أسوأ مشهد في مسرح هذه الحرب ، إذ يحاول ترامب جاهدا تغيير الصورة النمطية فيها ، فبدلا من التورط بحرب طويلة الأمد ، يسعى للحديث عن سلام إقليمي وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية لتسويق موقفه ، بعد أن بدت جولات المفاوضات للمتابعين منهم ، وكأنها تمثل نكوصاً امريكياً عن تلك الأهداف ، مع أنها وضعت نتنياهو في منطقة رمادية أيضاً يصعب عليه تسويقها لدى الناخبين الاسرائيليين . اذ ما كان بنظرهم لإيران أن تتمكن من تكديس هذا المخزون الكبير ، من اليورانيوم عالي التخصيب ، لولا الخطأ الجسيم الذي اقترفه ترامب عام ٢٠١٨ بالانسحاب من ذلك الاتفاق ، الأمر الذي جعل القرار وكأنه عتبةً استدرجت كل ما يحدث الآن.
يبحث ترامب اليوم عن طوق نجاة يقيل به عثرته هذه ، السيناريو المتاح له الآن هو إمّا إتفاق غير تاريخي يُفتح بموجبه المضيق ، ويهديء أسواق النفط ويمنحه صورة الزعيم القوي ، أو إنفجاراً ضخما ً في ظل تيار امريكي عريض يدعو للخلاص من هذه الحرب ، ويتهم ترامب بإنفاق أموالهم خارج البلاد ، على أعمال عسكرية لصالح إسرائيل ، بدل أن ينفقها لجعل امريكا عظيمة كما يريد ويدعي الرئيس ، خاصة ان معظم الشعب الأمريكي ، لايرون في إيران عدواً وتهديداً مباشراً لهم ، بنفس القدر الذي تراه إسرائيل . هذا جعل ترامب يلاحظ بضيق شديد ، رفض بعض المرشحين الجمهوريين ، للتبرعات التي تقدمها منظمة أيباك ، بعد أن اصبح هذا الرفض بين الشعب الأمريكي ، بمثابة شهادة كفاءة سياسية للمرشحين ، هذا أمرُ سيضعف موقف الرئيس ، إذا أراد التشدد في مفاوضاته مع ايران لصالح موقف نتنياهو ، وبدا ترامب وهو يشاهد رفض هؤلاء المرشحين ، وكأنه امام مشهد يذكّره بأزمة نتنياهو السياسية في إسرائيل ، بسبب عدم تقديره الحصيف للحرب على طهران ، تلك مسألة لن يغفر فيها ترامب للأخير ، مثلما لم يغفر الحزب الديمقراطي لنتنياهو ، جرأته ضد أوباما عام ٢٠١٥ ، حين خاطب الكونغرس ودعاه لرفض الاتفاق النووي الايراني ، رغم موافقة اوباما عليه ، تلك الكلمة التي تسببت بجراح عميقة للحزب الديمقراطي ، ولشريحة كبيرة من الشعب الامريكي ايضا ، وجعل الناس غاضبون من تضخّم الأنا لدى نتنياهو ، وعلى حساب مصالح الشعب الامريكي .
من يتابع ترامب ونتنياهو في سجالهما المحتدم ، حول الوضع في الخليج ، يدرك تماما ، أن أحدهما يبحث عن العظمة مستعيناً بالكلمة ، وآخر يبحث عن البقاء في السلطة مستنجداً بالرئيس ، الأمر الذي جعل العالم كله ، محشوراً بين قوّة الكلمة على الشاشه ، وحدود الفعل غير الميسور على الأرض في إيران ، والتي يمكن من خلالها قراءة مأزق الاثنين فيها معاً ، بعد أن بلغ حضورهما في المشهد العسكري مرحلة ، ضاق بها الشعب الامريكي ، وبات كلاهما يقفان معاً أمام نهاية تراجيدية لهذه المواجهة ، إذا واصلت طهران عنادها ضد ما يسمى بفكرة البطل الامريكي ، الذي لايرد له طلب ذاك الذي جعل عقلاء السياسة في واشنطن ، يدعون إلى ضرورة إنقاذ الرئيس من وهم العظمة والنصر في أزمته مع المتشددين في طهران ، قبل أن يصبح مأزقه القائم في الخليج الآن ، علامة فارقة وغير محمودة في تاريخ السياسة الأمريكية .