أ.د. علي حياصات
لا أعرف كثيرًا في الرياضة، ولست من متابعيها، لذلك لن أحكم على أداء السيدة سمر نصار أو على استقالتها من الاتحاد الأردني لكرة القدم. ما استوقفني هو ما رافق خروجها، احتفاء بالرحيل، ثم تعاطف معها، وأصوات تطالب بالمحاسبة، وأخرى تتحدث عن ظلم لحق بها.
وقد تساءل الصديق سمير الحياري، في تغريدة على منصة «إكس» ـ تويتر سابقًا ـ بما معناه، كيف تتواصل المطالبة بإقالتها، ثم تظهر بعد خروجها حملة تنتصر لها؟ من يفكّ اللغز؟
ربما علينا أولًا ألّا نتعامل مع الأردنيين كما لو أنهم شخص واحد غيّر رأيه خلال ساعات او أيام. فالذين طالبوا بالرحيل قد لا يكونون نفسهم الذين تعاطفوا بعده. وحتى الإنسان نفسه يستطيع أن ينتقد أداء مسؤول، ثم يعترض على التجريح به أو على تحميله مسؤولية لم تتضح حدودها. لا تناقض بالضرورة بين المطالبة بالمحاسبة والحرص على الإنصاف.
لكن هذه الملاحظة لا تحل اللغز كله. هنالك سؤال أعمق، لماذا تتحول خلافاتنا العامة سريعًا إلى معارك حول الأشخاص، فيما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالوقائع والمسؤوليات والإصلاح؟
نختلف على مَن يبقى ومَن يرحل، ولا نتوقف بالقدر نفسه عند ما حدث، وكيف حدث، وما الذي سيمنع تكراره. وحين لا تتوافر معلومات واضحة، يصبح القرار الواحد دليلًا على روايتين متعارضتين، يراه بعض الناس محاسبة مستحقة، ويراه آخرون تضحية بشخص لامتصاص الغضب. في هذا الفراغ، يحكم كل طرف بما يحمل من ثقة أو شك، أكثر مما يحكم بما يعرف من وقائع.
وقد لفتني، في بعض المنشورات، انتقال الحديث من قضية رياضية إلى المطالبة بتغيير الحكومة، أو حلّ مجلس النواب، أو إجراء تعديلات دستورية. القفزة كبيرة، لكنها تستحق الفهم قبل الاستهزاء بأصحابها. فما الذي يجعل حادثة محدودة تستدعي مطالب بهذا الحجم؟
أعتقد أن بعض الناس يحّملون الواقعة غضبًا أكبر منها. غضبًا من فرصة لم تتحقق، أو شكوى لم تُسمع، أو شعور متكرر بأن ما يقولونه لا يغيّر شيئًا. وحين يجدون قضية يتحدث عنها الجميع، يضعون فيها شيئًا من خيباتهم، فتغدو المناسبة بابًا للاعتراض على مشهد أوسع.
هنا نقترب من أصل اللغز، المسافة بين رغبة المواطن في المشاركة وشعوره بأن مشاركته ذات قيمة.
يستطيع شاب أو فتاة المطالبة بقرار كبير من خلف شاشة الهاتف، لكن أين يذهبان بهذه المطالبة بعد كتابتها؟ مَن يناقشها معهما؟ وأين يتعلمان تحويل الاعتراض إلى اقتراح، والاقتراح إلى عمل، والعمل إلى مسؤولية؟
حين لا يجد المواطن في الحزب أو البرلمان أو مؤسسات المجتمع المدني من يحمل انشغاله بجدية، تصبح وسائل التواصل ساحة متاحة للتعبير.
يقول فيها ما يريد، ويجد من يوافقه، ويشعر بأنه حاضر. ثم يعود إلى حياته دون أن يعرف ما إذا كان لصوته أثر يتجاوز التفاعل العابر. ومع تكرار هذه التجربة، قد ترتفع سقوف المطالب كلما ضعف الأمل في الاستجابة.
هذا لا يعفي الناس من مسؤوليتهم. فمن يطالب بالمحاسبة عليه أن يسأل عن الأدلة، ومن يدافع عن مسؤول عليه أن يناقش أداءه. لكن مطالبة المواطن بموقف مسؤول تقتضي أيضًا إتاحة المعلومات له، وشرح القرارات، وإشعاره بأن السؤال حق، وأن الجواب ليس منّة.
نقول كثيرًا إن الشعب الأردني طيب، وهو وصف نردده بمحبة. لكن الطيبة لا تغني عن التمثيل، ولا تملأ فراغ المشاركة. وشبابنا وصبايانا يحتاجون إلى مشروع يجدون أنفسهم فيه، سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، يتسع لطموحهم وأسئلتهم، ويمنح جهدهم معنى. ولعل أخطر ما ينبغي أن نخشاه هو أن يفقدوا الثقة بجدوى المشاركة، فيكتفوا باعتراض عابر، ثم يعودوا إلى انتظار الخيبة التالية.
لذلك، يا صديقي سمير، أرى أن اللغز يتصل بالثقة والتمثيل بقدر ما يتصل بتقلّب المواقف. والسؤال الذي يستحق أن يبقى أمامنا، أين يجد الأردني مكانًا يسمعه، ويأخذ رأيه بجدية، ويتيح له أن يتحمل نصيبه من المسؤولية؟
ما دام هذا السؤال معلّقًا، ستظل كل حادثة تحمل غضبًا أكبر منها، وستتبدل الأسماء بينما تبقى أسباب الغضب في مكانها.