الرمثا نت- أثار الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور محمد صبحي العايدي قضية «تلبّس الجن بالإنسان» من زاوية شرعية وأصولية مختلفة، معتبرًا أن هناك خلطًا شائعًا بين «المس» الذي أثبته القرآن، و«التلبس» بمعنى دخول الجني في جسد الإنسان واستقراره فيه وتحكمه بأعضائه ولسانه.
وقال العايدي إن الإيمان بوجود الجن والشيطان وتأثيرهما أمر ثابت بالنصوص الشرعية، لكن ذلك لا يعني التسليم بكل التصورات الشعبية التي نشأت حول طبيعة هذا التأثير، مؤكدًا أن «إثبات المس شيء، وإثبات التلبس شيء آخر، والتأثير لا يعني بالضرورة حلول المؤثر في المتأثر».
وأوضح أن استقراء استعمال لفظ «المس» في القرآن يكشف أنه أوسع من مفهوم التلبس؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، وقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾، وقال أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، وهو ما يشير إلى معنى الإصابة ووصول الأثر بحسب السياق، وليس بالضرورة الدخول والحلول.
وأشار العايدي إلى أن قصة أيوب تقدم دلالة مهمة في هذا السياق؛ إذ جاء على لسانه في سورة ص: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، بينما جاء في سورة الأنبياء: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وأضاف أن جمع الآيتين يبين أن الحديث يدور حول الضر والنصب والعذاب الذي أصاب أيوب، ولا تتضمن أي منهما تصريحًا بدخول الشيطان في جسده لان هذا مستحيل على الانبياء عليهم السلام.
وحول الآية الأكثر استحضارًا في هذه القضية: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، قال العايدي إن الآية تحدثت عن «المس» ولم تستخدم مفهوم «التلبس»، كما وردت في سياق تشبيه حال آكل الربا، معتبرًا أن الانتقال من إثبات المس والتأثير إلى القول بدخول الجني واستيطانه في الجسد يحتاج إلى دليل مستقل.
واستحضر العايدي قصة آدم عليه السلام باعتبارها نموذجًا قرآنيًا واضحًا لطريقة تأثير الشيطان في الإنسان، حيث قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، ثم أغراهما بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، وانتهى الأمر بقوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾.
ويرى العايدي أن القرآن رسم بذلك وسائل التأثير الشيطاني في الإنسان من خلال الوسوسة والإغواء والتزيين والتمنية والتغرير والنزغ، مع بقاء الإنسان صاحب إرادة واختيار.
واستشهد بقوله تعالى على لسان إبليس يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾، معتبرًا أن الآية تحدد طبيعة سلطان الشيطان في الدعوة والتأثير والاستجابة البشرية، لا في إلغاء إرادة الإنسان.
وحذّر العايدي من تفسير الاضطرابات النفسية والعصبية والسلوكية تلقائيًا بأنها «تلبس بالجن»، لما قد يترتب على ذلك من إهمال التشخيص الطبي والنفسي، مؤكدًا أن الأخذ بالأسباب العلمية لا يتعارض مع الإيمان بالغيب ولا مع مشروعية الرقية والدعاء والاستعاذة بالله.
وختم العايدي بالقول: «لسنا أمام سؤال: هل الجن موجود؟ فالقرآن حسم ذلك. السؤال هو: هل كل مسٍّ تلبس؟ وهل أثبت النص أن الجني يدخل جسد الإنسان ويستقر فيه ويتكلم بلسانه؟ علينا أن نفرق بين ما أثبته القرآن، وما أضافته التصورات الشعبية إلى القرآن؛ فالوقوف عند حدود النص ليس إنكارًا للغيب، بل احترام له».